دلت على انتفاء العلم.
والمراد بالعلماء الذين يخشون الله: هم الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وله الخلق والأمر، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
إن قلوب المؤمنين واجفة من خشية الله، طامعة راجية في فضل الله، متجهة إلى ربها بالطاعة، هذه الأرواح هي التي تؤمن بالله، وتعرف حقه، وقدره وعظمته: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥].
هؤلاء إذا ذكروا بآيات الله خروا سجدًا؛ تأثرًا بما ذكروا به، وتعظيمًا لله الذي ذكروا بآياته، وشعورًا بجلاله الذي يقابل بالسجود أول ما يقابل، تعبيرًا عن الإحساس الذي لا يعبر عنه إلا تمريغ الجباه بالتراب، وسبحوا بحمد ربهم مع حركة الجسد بالسجود، وهم لا يستكبرون، فهي استجابة الطائع الخاشع المنيب الشاعر بجلال الله الكبير المتعال.
وهؤلاء: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ ... [السجدة: ١٦].
فالمضاجع تدعوهم إلى الرقاد والراحة ولذة النوم، ولكن هذه الجنوب لا تستجيب؛ لأن لها شغلًا عن المضاجع اللينة، والرقاد اللذيذ، شغلًا بربها، شغلًا بالوقوف في حضرته، وبالتوجه إليه في خشية وفي طمع، يتنازعها الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته، الخوف من غضبه، والطمع في رضاه، الخوف من خذلانه، والطمع في توفيقه.
وهذه الصورة المشرقة لهؤلاء المؤمنين يرافقها الإكرام الإلهي، والحفاوة الربانية بهذه النفوس العالية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].