تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا من الأكل والشرب، واللباس والمراكب، والنكاح وطلاقة الوجه قالوا هؤلاء من أبناء الدنيا.

وإذا رأوا منهم الجد والصبر والصدق، وحلاوة الإيمان، وحسن المعرفة بالله، وكثرة ذكره قالوا هؤلاء من أبناء الآخرة، فأخفاهم عن عيون العالم بذلك.

فهؤلاء يكونون مع الناس، والمحجوبون لا يعرفونهم، ولا يرفعون بهم رؤوسًا، وهم من سادات أولياء الله، صانهم الله عن معرفة الناس كرامة لهم، لئلا يفتنوا بهم، وإهانة للجهال بهم فلا ينتفعون بهم.

فهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلا الله، فهم بين الناس بأبدانهم وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم، فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة.

فإن روح كل عبد تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبهم كما قال - ﷺ -: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» متفق عليه (١).

الثالثة: فرقة قبضهم منهم إليه، وهذه الفرقة أعلى من الفرقتين قبلها، فالله عز وجل قد ستر هؤلاء عن نفوسهم لكمال ما أطلعهم عليه، وشغلهم به عنهم، فهم في أعلى الأحوال والمقامات، وقلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، قلوبهم عامرة بالأسرار والتعظيم، والذل والمحبة لمولاهم، وأرواحهم تحن إليه حنين الطيور إلى أوكارها، قد سترهم وليهم عنهم، وأخذهم إليه منهم.

والناس قسمان:

منهم من يجمع بين الإساءة والأمن .. ومنهم من يجمع بين الإحسان والخوف.

وهذا القسم وجلون خائفون مشفقة قلوبهم، كل ذلك من خشية ربهم: خوفًا أن يضع عليهم عدله فلا تبقى لهم حسنة .. وسوء ظن بأنفسهم أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى .. وخوفًا على إيمانهم من الزوال .. ومعرفة بربهم وما

(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦١٦٨)، واللفظ له، ومسلم برقم (٢٦٤٠).

موسوعة فقه القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٠٣٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

موسوعة فقه القلوبج ٢ · ص ٢٠٣٢