تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا أنْتَ، أوْ: لا إلَهَ غَيْرُكَ» متفق عليه (١).

وأما غنى النفس فهو استقامتها على المرغوب، وهو أمر الله الديني الذي يحبه ويرضاه، وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيمًا لله سبحانه، وتعظيمًا لأمره، وإيمانًا به، واحتسابًا لثوابه، وخشية من عقابه، لا طلبًا لتعظيم المخلوقين ومدحهم له، أو هربًا من ذمهم، أو طلبًا للجاه والمنزلة عندهم، فإن هذا دليل الفقر إلى المخلوق لا إلى الله.

أما الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه فهي أعلى درجات الغنى، وأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عز وجل إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك، فقدر سبحانه خلقك ورزقك وعملك، وإحسانه إليك، ونعمه عليك، حيث لم تكن شيئًا البتة.

وذكرك ﷻ بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله، فجعلك أهلًا لما لم تكن له أهلًا قطّ، وإنما هو الذي أهَّلَك بسابق ذكره، وهو الذي أيقظك وغيرك في رقدة الغفلة مع النوام.

ومن الذي وفقك للتوبة وقبلها منك فذقت حلاوتها؟.

ومن الذي وفقك لمحبته وعمر قلبك بمحبته فأنست به بعد الوحشة؟

ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة، فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة، ذكرك بها قبل وجودك، وتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء، وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده.

إذ هو الجواد المحسن، المحسن لذاته لا لمعاوضة، ولا لطلب جزاء منك، ولا لحاجة دعته إلى ذلك، كيف وهو الغني الحميد؟.

فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنه ذكرك بها، فلتعظم عندك؛ لذكره لك

(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١١٢٠)، واللفظ له، ومسلم برقم (٧٦٩).

موسوعة فقه القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ١٩٠٤

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

موسوعة فقه القلوبج ٢ · ص ١٩٠٤