وكانوا حديثي عهد بجاهلية .. ولكنهم رضي الله عنهم ما كادوا يسمعون لأمر الله عز وجل ، إلا وخفِّضت أصواتهم وهدأت مخطاباتهم مع رسول الله ^»(1) ؛ وكما تقدم من فعل أبي بكر رضي الله عنه وهذا في حدّ ذاته التصحيح الذي فهموه من القرآن جرّاء خطئهم ، بل إنهم رضي الله عنهم فهموا كذلك حرمة رسول الله ^ بعد وفاته وعلموا أن حرمته بعد وفاته كحرمته في حياته ، فهذا عمر رضي الله عنه يشدِّد على رجلين سمع صوتهما في مسجد النبي ^ قد ارتفع فقال : أتدريان أين أنتما ؟ ثم قال : من أين أنتما ؟ قالا من أهل الطائف ، فقال : لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً . ، قال ابن كثير بعد أن ساق هذه القصة : « وقال العلماء : يكره رفع الصوت عند قبره ^ كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه محترمٌ حياً وفي قبره ^ دائماً »(2) .
قال ابن العربي(3) رحمه الله : « حرمة النبي ^ ميتاً كرحمته حياً وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه ، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ولا يُعرض عنه ، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به »(4) .
* * *
المطلب الخامس
تصحيح خطأ من قتل الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله
قال الله تعالى ﴿? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ? ? ?? ? ? ? ? ? ?﴾ (5) .
* سبب نزول هذه الآية :
أورد المفسرون أسباباً كثيرة لنزول هذه الآية فمن ذلك :
1- عن ابن عباس قال : ( لحق المسلمون رجلاً في غنيمة له ، فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا الغنيمة فنزلت هذه الآية ﴿ ? ? ? ?﴾ تلك الغنيمة)(6) .
2- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( مرّ رجل من سُليم على نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه غنم فسلم عليهم فقالوا : ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم . فقاموا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه ، وأتوا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى : ﴿ ? ? ہ ﴾ )(7) .
3- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية فيها المقداد ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كيف لك بلا إله إلا الله غداً ). وأنزل الله هذه الآية (8). وزاد ابن كثير : « فقال رسول الله
(1) نظرات في سورة الحجرات / الصواف باختصار ص 37 .
(2) تفسير القرآن العظيم 4 / 209 .
(3) هو أبو بكر محمد بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي ، ولد سنة ( 468 هـ) وتتلمذ على الغزالي وصَاحَبَهُ ، كان فقيهاً عالما، زاهداً عابداً ، سمع الحديث بعد اشتغاله بالفقه ، له تصانيف كثيرة منها : عارضة الأحوذي ، أحكام القرآن ، العواصم من القواصم ، وغيرها. توفي سنة ( 543 هـ) ، وقيل (545 هـ).
( انظر ترجمته في : البداية والنهاية : ج12/245 ، سير أعلام النبلاء : 20/197) .
(4) منهج القرآن الكريم في تثبيت الرسول وتكريمه ص 348 .
(5) سورة النساء ، آية (94) .
(6) أخرجه البخاري كتاب التفسير باب ﴿ ھ ے ے ? ? ? ? ? ﴾ حديث رقم ( 5491 ) ومسلم كتاب التفسير حديث رقم ( 3025 ) .
(7) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير حديث رقم ( 3030 ) وقال : هذا حديث حسن ، وعزاه السيوطي إلى البخاري في أسباب النزول وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (2426) ، 3 / 40 .
(8) أسباب النزول للسيوطي ص 91 .