وسوء الخلق ونحو ذلك ، فعُفي عن الهجر في الثلاثة ليذهب ذلك العارض »(1) .
وكذلك من عدم جواز الهجر ، وخصوصاً هجر المسلم لأخيه المسلم ، أن ذلك الهجر قد يكون فيه حظ للإنسان من هوى نفسه . وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه (2).
وقد ورد كذلك النهي عن هذا النوع من الهجر ، وبيان أنه يحرمُ الإنسان من الخير وزيادة الدرجات ومغفرة السيئات ، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال : انظروا هذين حتى يصطلحا ، انظروا هذين حتى يصطلحا ، انظروا هذين حتى يصطلحا ) (3) .
وهذا كله في الهجر لحقّ نفسه ، ولذا ينبغي أن يفرّق بين هذا ، وبين الهجر لحقّ الله ، فالأول منهي عنه والثاني مأمور به .
ولا شك أن الهجر لحقّ الله من العقوبات الشرعية فهو من جنس الجهاد في سبيل(4) .
ولذا فقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتجلى ذلك في قصة الثلاثة الذين تخلفوا في المدينة حتى أنزل الله تبارك وتعالى توبتهم(5).
وفعله كذلك الصحابة رضي الله عنهم ، فقد ورد عن عائشة أنها هجرت عبدالله بن الزبير رضي الله عنه(6)، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى رجلاً يضحك في جنازة ، فقال : أتضحك مع الجنازة ؟ لا أكلَّمُك أبداً(7) .
وغير ذلك مما ورد عن أن الصحابة فعلوا هذا الأمر - الهجر – وعدّوه
(1) شرح صحيح مسلم للنووي : 6 / 90 .
(2) انظر مجموع الفتاوى 28 / 207 .
(3) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب ، باب : النهي عن الشحناء والتهاجر ، حديث رقم ( 2565 ) .
(4) انظر : مجموع الفتاوى : 28 / 208 .
(5) أخرجه البخاري في عدة مواضع ومنها كتاب المغازي ، باب : حديث كعب بن مالك حديث رقم ( 4418)، ومسلم كتاب التوبة ، باب حديث توبة كعب بن مالك حديث رقم (2769) .
(6) أخرجه البخاري كتاب الأدب ، باب الهجرة ... حديث رقم ( 6073 ) .
(7) الآداب الشرعية لابن مفلح 1 / 230 .