فيه .
وقد ورد عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله – لما قال له ابنه عبد الملك : « يا أبتِ ! ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل ؟ فوا الله ما كنتُ أباً لي (1) ولو غلت بي وبك القدور في ذلك . قال : يا بنيّ ، إنّما أروّض الناس رياضة الصَّعب ، إني لأريد أن أحيي الأمور من العدل ، فأؤخر ذلك حتى أُخرِجَ معه طمعاً من طمع الدنيا ، فينفروا لهذه ويسكنوا لهذه .
وقال أيضاً – رحمه الله – : « ما طاوعني الناس على ما أردتُ من الحق ، حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً »(2) .
وقال كذلك : « والله ما أستطيع أن أخرج لهم شيئاً من أمر الدين ، إلا ومعه طرف من الدنيا استلين به قلوبهم خوفاً أن ينخرق عليّ منهم ما لا طاقة لي به»(3).
وخلاصة القول في ذلك أن من أراد تصحيح الأخطاء ، فيجمُل به إيراد بديل عن ذلك ، لأن النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء ، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : « إذا كان في البدعة من الخير فعُوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان ، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء ، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله ، أو إلى خير منه»(4) .
ولقد زخرت السنة المباركة ، وخصوصاً في أبواب العبادات بكثير من الأمثلة على هذا الموضوع المهم ومنها :
1- عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها ، ولكن شرِّقوا ، أو غرِّبوا ) (5) .
ففي هذا الحديث : تصحيح ما قد يقع فيه الصحابة من الخطأ وهو استقبال، أو استدبار القبلة عند قضاء الحاجة ، وينبغي الانتهاء عن ذلك
(1) لعلها : أُبالي وبه ورد في : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، السبت ص 277 .
(2) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز، ابن الجوزي ، ضبطه وشرحه وعلق عليه . نعيم زرزور ط. دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ط الأولى 1404 هـ ص 88 .
(3) أصول الدعوة : عبد الكريم زيدان ص 484 .
(4) نقلاً عن : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، السبت ص 279 .
(5) أخرجه البخاري كتاب الصلاة ، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ... حديث رقم ( 394 ) . ومسلم كتاب الطهارة ، باب الاستطابة حديث رقم ( 264 ) .