المطلب الثاني : الرحمة
والرحمة لغة : الرِّقة والمغفرة والتعطّف(1) .
قال في مفردات ألفاظ القرآن : «والرَّحمة : رقَّة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرِّقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرّد عن الرّقة ، نحو رحم الله فلاناً » (2) . ...
وعلى هذا فالرَّحمة من أخلاق الإسلام التي أمر الله بها ، بل إنه سبحانه قد اتصف بها فهو الرَّحمن الرَّحيم ؛ قال سبحانه : ﴿ ? ? ? ? ?﴾(3) ، وقال أيضاً : ﴿ ? ٹ ٹ ٹ﴾ (4) .
وقد وردت الرحمة ومعانيها كثيراً في القرآن الكريم وكذلك في السنة المطهّرة ومن ذلك :
1- قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه : ( أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة) (5).
2- حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنهما ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من لا يَرحم لا يُرحم) (6) .
والرحمة أمر فطري في البشر ؛ بل وحتى في البهائم ، وهي من الأخلاق المأمور بها المؤكَّد عليها ، حتى لقد رحم عليه الصلاة والسلام الجمادات ، كما ورد عنه رحمته للجذع الذي حنَّ لفراقه عليه الصلاة والسلام ، حيث لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - حنين جذع النخلة نزل من على منبره ، الجديد وضمّه إليه ، وسكَّن من روعه(7) .
أما بالنسبة لتصحيح الأخطاء بهذا الخلق العظيم منه - صلى الله عليه وسلم - فمن ذلك :
1- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا حبل ممدود بين السّاريتين فقال : ما هذا الحبل ؟ قالوا : هذا حبل لزينب ،. فإذا فترت تعلّقت . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا. حُلوّه ، لُيصلِّ أحدكم نشاطه ، فإذا فتر فليقعد )(8) .
ففي هذا الحديث رحمته عليه الصلاة والسلام بهذه « المرأة وبأمته كذلك حيث لم يكلفهم ما يجهدهم ، ويشقّ عليهم »(9) .
2- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل ..) وفيه : ( صم يوماً وأفطر يوماً ) وفيه كذلك : ( فإنك إن فعلت ذلك هجَمَت عينك(10) ونَفَهَت نفسك(11)، وإن لنفسك عليك حقاً) (12).
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أشفق على عبد الله بن عمرو ، ورحمه ، وأرشده إلى الصواب ، من هذا الفعل ، وفيه تصحيح للخطأ الذي وقع فيه هذا الصحابي الجليل ، قال النووي رحمه الله : « وحاصل الحديث بيان رفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمَّته ، وشفقته عليهم ، وإرشادهم إلى مصالحهم، وحثهم على ما يطيقون الدوام عليه»(13).
وقد قال ابن حجر رحمه الله مثل هذا الكلام في الفتح(14) .
فالداعية المخلص هو الذي تدفعه الشفقة ، والرحمة على المدعوين ، والخوف عليهم ، من عاقبة ذلك الخطأ إلى ملاحظتهم ، وتصحيح أخطائهم، وهذا ما فَعَلَه إمام الدعاة ، وقدوة المربيين محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وما ذلك إلا كما قال عنه سبحانه وتعالى واصفاً عبده ونبيه : ﴿ ? ? ? ? ? ? ? ?﴾(15) ، وقال كذلك واصفاً خلقه العظيم
(1) القاموس المحيط مادة ( رحم ) ص 1436 .
(2) مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص 347 مادة ( رَحِمَ ) .
(3) سورة الأنعام آية رقم ( 54 ) .
(4) سورة الأعراف آية رقم ( 156 ) .
(5) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل ، باب في أسمائه - صلى الله عليه وسلم - حديث رقم ( 2355 ) .
(6) أخرجه البخاري كتاب الأدب باب رحمة الناس والبهائم حديث رقم ( 6013 ) .
(7) أخرجه البخاري كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام حديث رقم ( 3584 ) .
(8) أخرجه البخاري كتاب التهجد ، باب : ما يكره من التشديد في العبادة حديث رقم ( 1150 ) وأبو داوود في الصلاة ، باب النعاس في الصلاة رقم ( 1312 ) ، والنسائي في قيام الليل ، باب الاختلاف مع عائشة في إحياء الليل رقم ( 1642 ) .
(9) بتصرف من أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - : الحداد : 72 / 620 .
(10) هجمت عينك : غارت وضعفت لكثرة السهر ( فتح الباري ) ( النووي ) .
(11) نفهت نفسك : كلَّت ( المرجع السابق ) وقيل ضعفت ( النووي ) .
(12) أخرجه البخاري مطولاً في كتاب الصوم ، باب صوم داوود عليه السلام وغيره ، حديث رقم ( 1979 ) ، ومسلم في كتاب الصيام باب النهي عن الصوم المتتابع حديث رقم ( 1159 ) .
(13) شرح صحيح مسلم للنووي : 3 / 225 .
(14) فتح الباري : 4 / 265 .
(15) سورة التوبة آية رقم ( 61 ) .