تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المبحث الرابع : التصحيح للأهم فالأهم

فينبغي على من يقوم بتصحيح الأخطاء النظر في هذه الأخطاء من حيث عظيم خطرها وجسيم ضررها ، « فالعناية بتصحيح الأخطاء المتعلقة بالمعتقد ينبغي أن تكون أعظم من تلك المتعلقة بالآداب مثلاً ، وهكذا ، وقد اهتمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - غاية الاهتمام بتتبع وتصحيح الأخطاء المتعلقة بالشرك بجميع أنواعه لأنه أخطر »(1) ، ما يكون على الفرد والمجتمع ، بل إنه عليه الصلاة والسلام جلس في مكة يدعوا إلى تصحيح العقائد ثلاثة عشر عاماً لا يكلَّ ولا يملَّ عليه الصلاة والسلام من ترسيخ هذا المفهوم وهو تصحيح عقائد الناس .

« ومن المعلوم أن الله عز وجل أنزل كتبه كلها ، وأرسل رسله كلهم ، ومنهم نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليبيّنوا للناس الاعتقاد الصحيح ، لأن ذلك هو القاعدة الكبرى التي يقوم عليها ما سواها من أوامر الله ونواهيه » (2) وكما بيّن سبحانه وتعالى في أكثر من آية أن هذا الأمر – البدء بالعقيدة – هو وظيفة جميع الأنبياء والرسل ، كما قال سبحانه ﴿ ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ?﴾(3) .

- وبناء العقيدة السليمة الصحيحة في نفوس المسلمين مطلب رئيس لتحقيق الاستقامة على منهج الله والثبات عليه والعقيدة هي الأساس في الدعوة إلى الله (4)، وعلى ضوئها ينبغي الاهتمام بتصحيحها أولاً ، ثم النظر بعد ذلك إلى ما سواها .

- ولقد اعتنى من كَتَبَ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عناية تامة بتجلية هذا الموضوع – البدء بالأهم فالأهم – ، وجعلوه من الآداب الواجب توفرها في القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأوضحوا أن « هذا المنهج هو المنهج الذي سار عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته حيث روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( إنما نزل أول ما نزل منه - القرآن – سورة من المفصَّل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبداً ، ولو نزل : لا تزنوا ، لقالوا لا ندع الزنا أبداً . لقد نزل بمكة - على محمد - صلى الله عليه وسلم - وإني لجارية ألعب ﴿ ? ? ? ? ? ? ﴾(5) ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ) (6).

وبهذا التدرُّج كان يوصي - صلى الله عليه وسلم - رسله ، ويأمرهم إذا بعثهم للقيام بالدعوة ؛ كما أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس - رضي الله عنهما – أنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله )(7).

فينبغي أن يُبدأ بترسيخ الإيمان في النفوس أولاً ؛ وتعليم الناس توحيد الله عز وجل ، وتصفية نفوسهم وواقعهم من الشرك ومظاهره ، ثم ينطلق الدعاة والمحتسبون إلى ما دونه من الأمور والتي تليه أهميةً .. وهكذا ، كما قال أحدهم:

إن اللبيب إذا بدا من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا»(8)

قال النووي - رحمه الله – في شرح الحديث السابق : « المراد أعلمهم أنهم مطالبون بالصلوات وغيرها في الدنيا ، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام ، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - رتَّب ذلك في الدعاء إلى الإسلام وبدأ بالأهم

(1) الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس / ص 13 .

(2) انظر : تربية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه /خالد عبد الله القرشي ص 29 .

(3) سورة النحل آية رقم ( 36 ) .

(4) انظر : منهج الدعوة إلى العقيدة في ضوء القصص القرآني / د . منى داوود ص 22 .

(5) سورة القمر آية رقم ( 46 ) .

(6) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن ، باب : تأليف القرآن حديث رقم ( 4993 ) .

(7) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ، باب : أخذ الصدقة من الأغنياء وترد إلى الفقراء حيث كانوا حديث رقم ( 1496 ) ومسلم كتاب الإيمان باب الدعاء وإلى الشهادتين وشرائع الإسلام حديث رقم ( 19 ) .

(8) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر( أصوله وضوابطه وآدابه ) خالد السبت ص 226 . وما بعدها . وانظر : كذلك : فقه إنكار المنكر ، بدرية البشر ص 161 .

هدي النبي في معالجة الاخطاء · الصفحة ١٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هدي النبي في معالجة الاخطاءص ١٢٤