" لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه بوجهك ".
فالقيام للقادم جائز على وجه التكرمة، إن لم يكن فاسقا، ولم يكن سبيلا للكبرياء والخيلاء، وما لم يصبح ديدنا للإنسان عند كل دخول أو خروج، وفي كل حين وآن فعند ذلك يكره.
قال العلامة ابن كثير: " وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال، فمنهم من رخص في ذلك محتجا بحديث (قوموا إلى سيدكم). ومنهم من منع من ذلك محتجا بحديث:
" من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار "
ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة (سعد بن معاذ) فإنه لما استقدمه النبي صلى الله عليه وسلم حاكما في بني قريظة فرآه مقبلا قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم، وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم.
أقول: جمهور العلماء على جواز القيام للقادم، إلا إذا كان فاسقا، أو عاصيا، أو مرتكبا لكبيرة، أو مشهورا بالكبر، وحب الظهور، وأما ما استدل به بعضهم من منع القيام بحديث:
" من أحب أن يتمثل له الناس قياما... "
الحديث فليس فيه دليل لهم، لأن الرسول عليه السلام لم يطلق اللفظ وإنما قيده بوصف يدل على الكبرياء وحب الظهور " من أحب أن يتمثل له الناس قياما " ولم يقل صلوات الله عليه " من قام له الناس فليتبوأ مقعده من النار " ولا شك أن هذا الوصف لا ينطبق إلا على المتكبر المغرور، والفرق دقيق بين اللفظين فلا ينبغي أن يغفل عنه.
وأما ما يقوله بعضهم: من أن القيام ركن من أركان الصلاة، فلذلك يحرم، لأنه يشبه العبادة... الخ فهذا جهل مطبق لا يصدر من فقيه عالم يتصدى لاستنباط الأحكام!!
كيف والصلاة تشتمل على أركان كثيرة كالقعود، وقراءة القرآن، والتشهد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأقوال - كما هو مذهب الإمام الشافعي - فهل يقول أحد: إن الجلوس بين يدي العالم حرام لأنه ركن من أركان الصلاة؟ وإن تلاوة القرآن لا تجوز أمام أحد لأنها ركن من أركان الصلاة؟ وإن الصلاة على النبي عليه السلام حرام في حضرة الناس لأنها ركن من أركان الصلاة؟!!
وقياس القيام على الركوع والسجود في الحرمة، قياس مع الفارق، وهو قياس باطل، لأن الركوع والسجود لا يجوز لغير الله كما قال عليه السلام:
" لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها "
وقد ورد في تحريمه النص القاطع، أما القيام، والقعود، والاضطجاع، فليس من هذا القبيل، وكفانا الله شر الجهل، وحماقة المتطفلين على العلم والعلماء!!
الحكم الرابع: هل الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة؟
اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿ فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ هل الأمر للوجوب أو الندب؟
فقال بعضهم: إن الأمر للوجوب، ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ﴾ ومثل هذا لا يقال إلا في الواجبات التي لا يصح تركها.
وقال آخرون: إن الأمر للندب والاستحباب، وذلك لأن الله تعالى قال في الآية: ﴿ ذلك خير لكم وأطهر ﴾ ومثل هذا قرينة تصرف الأمر عن ظاهره، وهو إنما يستعمل في التطوع دون الفرض.
ومن جهة أخرى: فإن الله تعالى قال في الآية التي بعد هذه مباشرة ﴿ ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقت ﴾؟ وهذا يزيل ما في الأمر الأول من احتمال الوجوب، ويبقى الأمر للندب.
واتفق العلماء على أن الآية منسوخة، نسختها الآية التي بعدها ﴿ ءأشفقتم أن تقدموا ﴾ وقد اختلفوا في مقدار تأخر الناسخ عن المنسوخ، فقيل: بقي التكليف عشرة أيام ثم نسخ، وقيل: ما بقي إلا ساعة من النهار ثم نسخ.
وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: (إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فاشتريت به عشرة دراهم، فكلما ناجيت الرسول صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهما، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد).