ب - وروي عن ابن عباس وقتادة: " أن قوما من المسلمين كثرت مناجاتهم للرسول عليه الصلاة والسلام، في غير حاجة إلا لتظهر منزلتهم وكان صلى الله عليه وسلم سمحا لا يرد أحدا فنزلت هذه الآية ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا نجيتم الرسول... ﴾ الآية.
ج - وروي عن مقاتل: أن الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته، ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره عليه الصلاة والسلام طول جلوسهم ومناجاتهم فنزلت الآية: ﴿ إذا نجيتم الرسول ﴾.
وجوه القراءات
1 - قوله تعالى: ﴿ إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس ﴾ قرأ الجمهور (تفسحوا) بتشديد السين، وقرأ قتادة والحسن (تفاسحوا).
2 - قرأ الجمهور (في المجلس) بالإفراد على إرادة معنى الجمع، وقرأ عاصم وقتادة (المجالس) بالجمع.
3 - قوله تعالى: ﴿ انشزوا فانشزوا ﴾: قرأ الجمهور بضم الشين فيهما، وقرأ حمزة والكسائي (انشزوا فانشزوا) بكسر الشين فيهما، قال الفراء: وهما لغتان مثل يعكفون ويعرشون.
4 - قرأ الجمهور (فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) بالإفراد، وقرئ (صدقات) بالجمع لجمع المخاطبين.
وجوه الإعراب
1 - قوله تعالى: ﴿ يفسح الله لكم ﴾ يفسح مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب، وحرك بالكسر للتخلص من التقاء الساكنين، ومثله ﴿ يرفع الله ﴾ مجزوم لأنه جواب الأمر كأنه قيل: إن تنشزوا يرفع الله عز وجل المؤمنين جزاء امتثالهم درجات.
2 - قوله تعالى: ﴿ والذين أوتوا العلم درجت ﴾ قال أبو حيان: معطوف على الذين آمنوا عطف صفات.
والمعنى: يرفع الله المؤمنين العلماء درجات، فالوصفان لذات واحدة.
واختار الطيبي: أن يكون في اللفظ تقدير يناسب المقام نحو أن يقال: يرفع الله الذين آمنوا في الدنيا بالنصر وحسن الذكر، ويرفع الذين أوتوا العلم درجات تعظيما لهم.
3 - قوله تعالى: ﴿ ءأشفقتم أن تقدموا ﴾ أن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول ل ﴿ ءأشفقتم ﴾ والله أعلم.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: لما نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عما يكون سببا للتباغض والتنافر، أمرهم في هذه الآيات بما يكون سببا لزيادة المحبة والمودة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم شديدي الحرص على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم والجلوس بين يديه حرصا على استماع كلامه، فأمروا بالتوسعة على إخوانهم في المجلس تطييبا لقلوبهم، وهذا هو السر في مجيء هذه الآيات عقب آيات النهي عن التناجي بالإثم والعدوان.
اللطيفة الثانية: ذكر تعالى في أول الآية مكانة المؤمنين، ثم عطف عليها بذكر مكانة العلماء، والعطف في مثل هذا الموطن هو من باب (عطف الخاص على العام) تعظيما لشأن العلماء كأنهم جنس آخر، ولذا أعيد اسم لموصول في النظم الكريم في قوله تعالى: ﴿ والذين أوتوا العلم درجت ﴾.
اللطيفة الثالثة: الأمر للمؤمنين بالصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فوائد عديدة:
أولها: تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيم مناجاته.
ثانيها: نفع كثير من الفقراء بتلك الصدقة.
ثالثها: الزجر عن الإفراط في الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
رابعها: التمييز بين المخلص والمنافق، ومحب الدنيا ومحب الآخرة.
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾: في هذا اللفظ استعارة يسميها علماء البلاغة (استعارة تمثيلية) وأصل التركيب يستعمل فيمن له يدان كالإنسان فقد استعار اليدين للنجوى، وقيل إنها (استعارة مكنية) حيث شبه النجوى بإنسان، وحذف المشبه به وهو الإنسان، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو اليدان على سبيل الاستعارة المكنية ومثله قوله تعالى:
بين يدي عذاب شديد
[سبأ: 46] وذكر اليدين تخييل.
اللطيفة الخامسة: أشاد القرآن بمنزلة العلماء الرفيعة، ومكانتهم السامية عند الله تعالى، ويكفيهم هذا الشرف والفخر وقد قال عليه الصلاة والسلام: