تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فثبتنا يا ألله على الإسلام دينك الحق، الذي بعثت به أنبياءك ورسلك، وأرسلت به خاتم المرسلين، وثبتنا على الإيمان، واجعلنا ممن سلك طريق المقربين، طريق النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ولا تجعلنا يا ألله من الحائرين عن قصد السبيل، السالكين غير المنهج القويم، من الذين ضلوا عن شريعتك القدسية، وكفروا بآياتك ورسلك وأنبيائك، فاستحقوا اللعنة والغضب إلى يوم الدين.. اللهم آمين.

معاني الفاتحة في " ظلال القرآن "

يقول سيد قطب رحمه الله في تفسيره " الظلال " ما نصه:

(يردد المسلم هذه السورة القصيرة، ذات الأيات السبع، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن، وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلا غير الفرائض والسنن، ولا تصح صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين:

" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ".

إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية، وكليات التصور الإسلامي، وكليات المشاعر والتوجهات ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة.

تبدأ السورة ب (بسم الله الرحمن الرحيم) والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في أول ما نزل من القرآن باتفاق، وهو قوله تعالى:

اقرأ باسم ربك

[العلق: 1] وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله (الأول، والآخر، والظاهر، والباطن) فهو سبحانه الموجود الحق الذي يستمد منه كل موجود وجوده، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه، فباسمه إذن يكون كل ابتداء، وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه.

وإذا كان البدء باسم الله، وما ينطوي عليه من توحيد لله، وأدب معه، يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي، فإن استغراق معاني الرحمة في صفتي (الرحمن الرحيم) يمثل الكلية الثانية في هذا التصور، ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد وعقب البدء ب ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ يجيء التوجه إلى الله بالحمد، ووصفه بالربوبية المطلقة، يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله، والحمد هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن، فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضا من فيوضات النعمة الإلهية، وفي كل لمحة، وفي كل لحظة، وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله، وتغمر الخلائق كلها، وبخاصة هذا الإنسان.

والربوبية المطلقة: هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعا، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة، لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد، تقر له بالسيادة المطلقة، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة.

وتبدو العقيدة الإسلامية: في كمالها وتناسقها رحمة.. رحمة حقيقية للقلب والعقل، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقرب وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق.

ثم تأتي هذه الصفة ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ التي تستغرق كل معاني الرحمة، وحالاتها ومجالاتها، تتكرر هنا في صلب السورة في آية مستقلة لتؤكد تلك الربوبية الشاملة، ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه، وبين الخالق ومخلوقاته.. إنها صلة الرحمة والرعاية، التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية.

والتعبير بقوله: ﴿ ملك يوم الدين ﴾ يمثل الكلية الضخمة، العميقة التأثير، كلية الاعتقاد بالآخرة. والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة هامة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر، وهو مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال، وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع، ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر، وما لم يثق الفرد المحدود بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها وأن يضحي في سبيلها. وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور، ولا خلق، ولا سلوك، ولا عمل، فهما صنفان مختلفان من الخلق، وطبيعتان متميزتان، لا تلتقيان في الأرض في عمل، ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء.. وهذا هو مفرق الطريق.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٤