الحكم السادس: هل تكون أموال البغاة غنيمة للمسلمين؟
اختلف العلماء في حكم أموال البغاة هل تكون غنيمة للمسلمين؟ أم ترد إليهم بعد الصلح وانتهاء الحرب؟
أ - فقال محمد بن الحسن الشيباني: إن أموالهم لا تكون غنيمة، وإنما يستعان على حربهم بسلاحهم وخيلهم عند الاستيلاء عليه، فإذا وضعت الحرب أوزارها رد عليهم السلاح والمال.
ب - وقال أبو يوسف: إن ما وجد في أيدي أهل البغي من سلاح وعتاد فهو (غنيمة) يقسم ويخمس.
ج - وقال مالك: لا تسبى ذراريهم ولا أموالهم، وهو مذهب الشافعي.
حجة أبي يوسف: أنهم باغون معتدون فيقسم مالهم غنيمة بين المسلمين.
حجة الجمهور: أن بغيهم يحل قتالهم ولا يحل أموالهم وذراريهم لأنهم ليسوا كفارا، وإنما هم مؤمنون باغون، أو فاسقون خارجون عن الطاعة، والأمر بقتالهم من أجل ردهم إلى صف المؤمنين.
واستدلوا بما روي عن ابن عباس أن الخوارج لما نقموا على (علي) كرم الله وجهه، قال: أفتسبون أمكم عائشة، ثم تستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم.
واستدلوا بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" يا عبد الله أتدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها ".
قال القرطبي: " والمعول في ذلك عندنا أن الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم لم يتبعوا مدبرا، ولا ذففوا على جريح، ولا قتلوا أسيرا، ولا ضمنوا نفسا ولا مالا، وهم القدوة ".
الترجيح: والصحيح ما ذهب إليه الجمهور لأنهم ليسوا كفارا، ولأننا لو أخذنا أموالهم وسبينا ذراريهم تألبوا علينا ولم يمكن ردهم إلى صف المسلمين والله أعلم.
فائدة هامة: حول ما وقع بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
قال العلامة القرطبي رحمه الله: " لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم بنا أئمة، وقد تعبدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم ".
هذا مع ما قد ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا، لأن الشهادة لا تكون إلا بالقتل في الطاعة.
ومما يدل على ذلك ما قد صح بأن قاتل الزبير في النار، وقوله عليه السلام:
" بشر قاتل ابن صفية بالنار "
، وإذا كان كذلك فقد ثبت أن (طلحة) و(الزبير) غير عاصيين، ولا آثمين بالقتال، وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال:
تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون
[البقرة: 134].
ما ترشد إليه الآيات الكريمة
أولا: وجوب التثبت من الأخبار وعدم الوثوق بخبر الفاسق الخارج عن طاعة الله.
ثانيا: ضرورة التريث قبل الحكم على الأشخاص لمجرد سماع الأنباء خشية الظلم والعدوان عليهم.
ثالثا: الرسول صلى الله عليه وسلم هو المرجع للمؤمنين، فلا يجوز لأحد من أهل الإيمان أن يقطع بأمر دونه.
رابعا: وجوب الإصلاح بين طوائف المؤمنين عند حصول النزاع خشية تصدع الصف، وتفرق الكلمة.
خامسا: إذا بغت إحدى الطائفتين على الأخرى ولم يمكن الاصلاح وجب قبر الفتنة بحد السيف.
سادسا: المؤمنون إخوة جمعتهم رابطة (العقيدة والإيمان) وهذه الرابطة أقوى من رابطة النسب والدم.
سابعا: يجب على المؤمنين مقاومة أهل البغي إبقاء لوحدة الأمة الإسلامية ودفعا للظلم عن المستضعفين.
خاتمة البحث:
حكمة التشريع
يدعو الإسلام إلى التثبت في الخبر، وأخذ الحيطة والحذر، في كل أمر من أمور المؤمنين، ليجتنبوا المزالق التي يدبرها لهم أعداؤهم، ويكونوا على بينة من أمرهم، فكم من فتنة حصلت بسبب خبر كاذب، نقله فاسق فاجر؟ وكم من دماء أريقت بسبب فتنة هوجاء، أشعل نارها أناس ماكرون؟ لا يريدون للأمة الخير، ولا يضمرون للمسلمين إلا كل شر، وبلاء، وفتنة، ليفسدوا عليهم وحدتهم، ويكدروا عليهم صفاءهم وسرورهم.