والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين
[الشعراء: 79-80] حيث نسب الإطعام إلى الله ونسب المرض إلى نفسه أدبا.
قال الزمخشري: " لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس، سببا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو ".
اللطيفة الرابعة: سئل سفيان عن عبدين، ابتلى أحدهما فصبر، وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء، لأن الله تعالى أثنى على عبدين: أحدهما صابر، والآخر شاكر ثناء واحدا فقال في وصف أيوب ﴿ نعم العبد إنه أواب ﴾ وقال في وصف سليمان
نعم العبد إنه أواب
[ص: 30].
وفضل بعض العلماء: الغني الشاكر، على الفقير الصابر، لأن الغنى ابتلاء وفتنة، والشاكر من عباد الله قليل
وقليل من عبادي الشكور
[سبأ: 13] بخلاف الصابر فإنه كثير والمسألة فيها نظر.
اللطيفة الخامسة: يضرب المثل بصبر أيوب عليه السلام فيقال: (صبر كصبر أيوب) وقد صبر على البلاء في جسمه، وأهله، وولده مدة ثمان عشرة سنة على الراجح من الأقوال، ويروى أن زوجه لما طلبت منه أن يدعو الله أن يشفيه سألها: كم مكثنا في الرخاء؟ قالت سبعين عاما، فقال لها: ويحك كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما.
ويروى أنه قال لها: إني لأستحيي من الله أن أسأله أن يشفيني وما قضيت في بلائي ما قضيته في رخائي!!
ولهذا يضرب به المثل في الصبر.
اللطيفة السادسة: روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه، فناداه ربه يا أيوب: ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك ".
قال بعض العلماء: حين صبر أيوب أكرمه الله بالمال الوفير، والأجر الجزيل، وعوضه عن الأهل والولد، بضعفهم وبارك فيهم كما قال تعالى:
فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين
[الأنبياء: 84].
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما هو سبب حلف أيوب عليه السلام بضرب أهله؟
دل ظاهر قوله تعالى: ﴿ وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث ﴾ على أن أيوب عليه السلام كان قد صدر منه يمين على ضرب أهله، ويقول المفسرون إنه حلف لئن شفاه الله ليجلدن زوجته مائة جلدة، فأمره الله أن يأخذ قبضة من حشيش، أو حزمة من الخلال والعيدان، فيضرب بها ليبر بيمينه ولا يحنث، ولم تذكر الآية سبب هذا الحلف، وقد ذكر بعض المفسرين كلاما طويلا في سبب هذا اليمين، فقيل: إن امرأة أيوب كانت تخدمه وضجرت من طول مرضه، فتمثل لها الشيطان بصورة طبيب، وجلس في طريقها فقالت له: يا عبد الله إن ههنا إنسانا مبتلى، فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم إن شاء شفيته، على أن يقول إذا برأ: أنت شفيتني، فجاءت إلى أيوب فأخبرته فقال: ذاك الشيطان، لله علي إن شفاني الله أن أجلدك مائة جلدة.
وزعم بعضهم أن إبليس لقي زوجة أيوب فقال لها: أنا الذي فعلت بأيوب ما فعلت، وأنا إله الأرض، ولو سجدت لي سجدة واحدة لرددت عليه أهله وماله، فجاءت فأخبرت أيوب فأقسم أن يضربها إن عافاه الله.
وكتاب الله تعالى لم يأت فيه تفصيل للقصة، ولهذا انطلقت الخيالات تنسج قصصا في سبب بلائه وفي سبب حلفه على زوجه، منها ما هو باطل لا يصح اعتقاده ومنها ما هو ضعيف واهن.
يقول أبو بكر ابن العربي: " ما ذكره المفسرون من أن إبليس كان له مكان في السماء السابعة، وأنه طلب من ربه أن يسلطه على أيوب فقال له: قد سلطتك على أهله وماله.. إلخ إن هذا قول باطل، لأن إبليس أهبط منها بلعنة الله وسخطه، فكيف يرقى إلى محل الرضا، ويجول في مقامات الأنبياء، ويخترق السموات العلى!!
إن هذا لخطب من الجهالة عظيم.