تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: نعم ".

وهذه الأحكام استنبطها العلماء من قوله تعالى: ﴿ وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ﴾ فكما تحرم طاعة الوالدين في الشرك تحرم في كل معصية، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وهذا المعنى قد سنه الخليفة الراشد (أبو بكر) رضي الله عنه في خطبته الأولى حين تولى الخلافة على المؤمنين. فكان فيما قال:

(أما بعد. أيها الناس: إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم).

الحكم الخامس: هل يصح سلوك طريق غير المؤمنين؟

ظاهر قوله تعالى: ﴿ واتبع سبيل من أناب إلي... ﴾ وجوب الاقتداء بالسلف الصالح وسلوك طريق المؤمنين، وتحريم السير في اتجاه يخالف اتجاههم كطريق المنافقين والكافرين. وقد صرح بهذا المعنى في قوله تعالى:

ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا

[النساء: 115]. فلا بد من الانضواء تحت رأية أهل التوحيد والإيمان واتباع سبيلهم، فالخير كله في الاقتداء بهم، والسير على منوالهم. ولقد أحسن من قال:

فكل خير في اتباع من سلف

وكل شر في ابتداع من خلف

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 - الحكمة هبة إلهية لا تنال إلا بطريق التقوى والعمل الصالح.

2 - شكر النعمة واجب على المرء. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.

3 - الشرك من أعظم الذنوب، وأكبر الجرائم عند الله وهو محبط للعمل.

4 - طاعة الوالدين من طاعة الله، وبرهما مقرون بعبادة الله تعالى.

5 - حق الأم على ولدها أعظم من حق الأب لأن أتعابها عليها أكثر.

6 - لا تجوز الطاعة في المعصية. إنما الطاعة في المعروف كما بينه عليه السلام.

حكمة التشريع

أوصى الله تعالى بالوالدين إحسانا، وأمر ببرهما وطاعتهما والإحسان إليهما، وخص (الأم) بمزيد من العناية والاهتمام، فجعل حقها أعظم من حق الأب، لما تحملته من شدائد وأهوال تجاه طفلها الوليد، ولما قاسته من آلام في سبيل تربيته وحياته. فمن أحق بالعناية والرعاية من الأم؟! الأم التي حنت عليه فغذته بلبانها، وغمرته بحنانها، وآثرته على نفسها وراحتها فشقيت من أجل سعادته، وتعبت من أجل راحته، وتحملت الأثقال والآلام في سبيل أن ترى وليدها زهرة يانعة، تعيش بين أزهار الربيع، فكم من ليلة سهرت من أجل راحته، لتطرد عنه شبح الخوف، أو تزيل عنه ألم المرض، وكم من ساعة قضتها بين جدران البيت تحمله على يديها، متعبة مثقلة لتواسيه في وقت شدته ومحنته... فهل يليق بعد كل هذا أن يسلك طريق العقوق، أو يجنح إلى الإساءة والعصيان؟!

فحق الأم على ولدها عظيم، وفضلها عليه كبير وجسيم، إذ هي السبب المباشر في حياة هذا الطفل بعد الله عز وجل، فلولا رعايتها وحنانها، ولولا تحملها المتاعب والآلام، لما تربى وليد، ولا عاش إنسان!!

وقد أمر الله تعالى بشكر الوالدين، وطاعتهما وبرهما حتى ولو كانا (مشركين)، ولكنه جل ثناؤه حذر من اتباعهما ومسايرتهما في أمر الكفر والإشراك ﴿ وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ﴾ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل.. فطاعتهما مشروطة بطاعة الله، وفي الحدود التي يقرها الشرع الحنيف، ولا يكون فيها تضييع لحق الخالق، أو حق المخلوق، فشكر الوالدين من شكر الله، وطاعتهما - فيما ليس فيه معصية - من طاعة الله!! وصدق الله حيث يقول:

ووصينا الإنسان بولديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ثلثون شهرا...

[الأحقاف: 15].

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٩٥