تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ﴿ الرحيم ﴾ خاص للمؤمنين كما قال تعالى:

وكان بالمؤمنين رحيما

[الأحزاب: 43].

ولا يجوز إطلاق اسم (الرحمن) على غير الله تعالى لأنه مختص به جل وعلا، بخلاف الرحيم فإنه يطلق على المخلوق أيضا قال تعالى:

بالمؤمنين رءوف رحيم

[التوبة: 128].

قال القرطبي: " وأكثر العلماء على أن الرحمن مختص بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمى به غيره، ألا تراه قال:

قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

[الإسراء: 110] فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره:

أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون

[الزخرف: 45] فأخبر أن الرحمن هو المستحق للعبادة جل وعز، وقد تجاسر (مسيلمة الكذاب) لعنه الله فتسمى ب (رحمان اليمامة) ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب، فألزمه الله ذلك حتى صار هذا الوصف لمسيلمة علما يعرف به ".

﴿ يوم الدين ﴾: يوم الجزاء والحساب، أي أنه سبحانه المتصرف في يوم الدين، تصرف المالك في ملكه، والدين في اللغة: الجزاء، ومنه قوله عليه السلام: " إفعل ما شئت كما تدين تدان " أي كما تفعل تجزى.

قال في " اللسان ": والدين: الجزاء والمكافأة، ويوم الدين: يوم الجزاء، وقوله تعالى:

أءنا لمدينون

[الصافات: 53] أي مجزيون محاسبون، ومنه الديان في صفة الله عز وجل قال لبيد:

حصادك يوما ما زرعت وإنما

يدان الفتى يوما كما هو دائن

﴿ إياك نعبد ﴾: نعبد: نذل ونخشع ونستكين، لأن العبودية معناها: الذلة والاستعانة، مأخوذ من قولهم: طريق معبد أي مذلل وطئته الأقدام، وذللته بكثرة الوطء، حتى أصبح ممهدا.

قال الزمخشري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومنه ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، لأنه مولي أعظم النعم. فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع.

والمعنى: لك اللهم نذل ونخضع ونخصك بالعبادة لأنك المستحق لكل تعظيم وإجلال، ولا نعبد أحدا سواك.

﴿ وإياك نستعين ﴾: الاستعانة: طلب العون، قال الفراء: أعنته إعانة، واستعنته واستعنت به، وفي الدعاء: رب أعني ولا تعن علي، ورجل معوان: كثير الإعانة للناس وفي حديث ابن عباس: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).

والمعنى: إياك ربنا نستعين على طاعتك وعبادتك في أمورنا كلها، فلا يملك القدرة على عوننا أحد سواك، وإذا كان من يكفر بك يستعين بسواك، فنحن لا نستعين إلا بك.

﴿ اهدنا ﴾: فعل دعاء ومعناه: دلنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك.

والهداية في اللغة: تأتي بمعنى الدلالة كقوله تعالى:

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى

[فصلت: 17] وتأتي بمعنى الإرشاد وتمكين الإيمان في القلب كما قال تعالى:

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء...

[القصص: 56].

فالرسول صلى الله عليه وسلم هاد بمعنى أنه دال على الله

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52] ولكنه لا يضع الإيمان في قلب الإنسان. وفعل هدى يتعدى ب (إلى) وب (اللام) كقوله تعالى:

فاهدوهم إلى صراط الجحيم

[الصافات: 23] وقوله:

الحمد لله الذي هدانا لهذا

[الأعراف: 43] وقد يتعدى بنفسه كما هنا ﴿ اهدنا الصراط ﴾.

﴿ الصراط المستقيم ﴾: الصراط: الطريق، وأصله بالسين (السراط) من الاستراط بمعنى الابتلاع، سمي بذلك لأن الطريق كأنه يبتلع السالك.

قال " الجوهري ": الصراط، والسراط، والزراط: الطريق قال الشاعر:

وأحملهم على وضح الصراط

أي على وضح الطريق.

قال القرطبي: أصل الصراط في كلام العرب: الطريق، قال الشاعر:

شحنا أرضهم بالخيل حتى

تركناهم أذل من الصراط

والعرب تستعير (الصراط) لكل قول أو عمل وصف باستقامة أو اعوجاج، والمراد به هنا ملة الإسلام.

﴿ المستقيم ﴾: الذي لا عوج فيه ولا انحراف، ومنه قوله تعالى:

وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه...

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢