اللطيفة الثانية: العلة الحقيقية في منع المشركين من عمارة بيوت الله، هي نفس الكفر لا الشهادة به، ونكتة تقييده بها أنه كفر صريح لا تمكن المكابرة به، لأنه كفر مقرون بالإقرار، وهو قولهم في الطواف: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك) ونصبهم الأوثان والأصنام حول البيت العتيق.
اللطيفة الثالثة: قال أبو حيان: أمر المؤمنين بعمارة المساجد، يتناول عمارتها، ورم ما تهدم منها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر - ومن الذكر دراسة العلم - وصونها عما لم تبن له من الخوض في أحوال الدنيا، وفي الحديث الشريف:
" إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان ".
اللطيفة الرابعة: التعبير بقوله تعالى: ﴿ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ﴾ في جانب المؤمنين، يؤخذ منه قطع طماعية المشركين في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، حيث بين تعالى أن حصول الإهتداء لمن آمنوا بالله ولم يخشوا غيره دائر بين (لعل) و(عسى) وإذا كان هذا حال المؤمنين، فكيف يطمع المشركون بالهداية والفوز وهم على ما هم عليه من كفر وإشراك؟!
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: ما المراد بعمارة المساجد في الآية الكريمة؟
ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بعمارة المساجد هو بناؤها وتشييدها وترميم ما تهدم منها، وهذه هي (العمارة الحسية) ويدل عليه قوله عليه السلام:
" من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتا في الجنة ".
وقال بعضهم: المراد عمارتها بالصلاة والعبادة وأنواع القربات كما قال تعالى:
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه
[النور: 36] وهذه هي (العمارة المعنوية) التي هي الغرض الأسمى من بناء المساجد، ولا مانع أن يكون المراد بالآية النوعين (الحسية) و(المعنوية) وهو اختيار جمهور العلماء لأن اللفظ يدل عليه، والمقام يقتضيه.
قال أبو بكر الجصاص: " وعمارة المسجد تكون بمعنيين: أحدهما: زيارته والمكث فيه، والآخر: بناؤه وتجديد ما استرم منه، وذلك لأنه يقال: اعتمر إذا زار، ومنه العمرة لأنها زيارة البيت، وفلان من عمار المساجد إذا كان كثير المضي إليها، فاقتضت الآية منع الكفار من دخول المساجد، ومن بنائها، وتولي مصالحها، والقيام بها لانتظام اللفظ للأمرين ".
الحكم الثاني: ما المراد بالمساجد في الآية الكريمة؟
1 - قال بعض العلماء: المراد به المسجد الحرام لأنه المفرد العلم، الأكمل الأفضل وهو قبلة المساجد، وسبب النزول يؤيد هذا القول وهو مروي عن عكرمة، واختاره بعض المحققين لقراءة الإفراد (أن يعمروا مسجد الله).
ب - وقال آخرون: المراد به جميع المساجد، لأنه جمع مضاف فيعم، ويدخل فيه المسجد الحرام دخولا أوليا، كما إذا قلنا: فلان لا يقرأ كتب الله، يدخل فيه القرآن بطريق أوكد.
أقول: هذا هو الظاهر من الآية الكريمة، لأن الصيغة تفيد عموم الحكم، فلا يليق بالمشركين أن يعمروا أي مسجد من مساجد الله بأنواع العمارة، لأن الكفر ينافي ذلك، كما لا يصح لهم دخول هذه الأماكن الطاهرة المقدسة، كما قال الإمام مالك رحمه الله، وسيأتي حكم دخول المشركين للمساجد في الآيات التالية.
الحكم الثالث: هل يجوز استخدام الكافر في بناء المساجد؟
أخذ بعض العلماء من الآية الكريمة أنه لا يجوز أن يستخدم المسلم الكافر في بناء المسجد، لأنه من العمارة الحسية، وقد نهى تعالى عن تمكين المشركين من عمارة بيوت الله.
والظاهر جواز استخدامه لأن الممنوع منها إنما هو (الولاية) عليها، والاستقلال بتصريف شؤونها، كأن يكون ناظر المسجد، أو المتصرف بالوقف كافرا، وأما استخدام الكافر في عمل لا ولاية فيه، كنحت الحجارة والبناء والنجارة، فلا يظهر دخوله في المنع، وهذا قول جمهور الفقهاء.
ما ترشد إليه الآيات الكريمة