تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال فضيلة الشيخ السايس: " وإذا لوحظ أن الحدود تدرأ بالشبهات، وأن الاحتياط أمر لا يجوز الإغضاء عنه، وأن الحظر مقدم على الإباحة، أمكن ترجيح (مذهب الحنفية) لأن المجن المسروق في عهده عليه السلام الذي قطعت فيه يد السارق، قدره بعضهم بثلاثة دراهم، وبعضهم بأربعة، وبعضهم بخمسة، وبعضهم بربع دينار، وبعضهم بعشرة دراهم، والأخذ بالأكثر أرجح، لأن الأقل فيه شبهة عدم الجناية، والحدود تدرأ بالشبهات ولأن التقدير بالأقل يبيح الحد في أقل من العشرة، والتقدير بالعشرة يحظر الحد فيما هو أقل منها، والحاظر مقدم على المبيح.

وأما اعتبار الحرز فلقوله عليه السلام:

" لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل، فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ".

والحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس كالدور والخيم والفسطاط، التي يسكنها الناس ويحفظون أمتعتهم بها، وقد يكون الحرز بالحافظ الذي يجلس ليحفظ متاعه، فإذا كان الحافظ قطع لما روي عن (صفوان بن أمية) أنه قال: كنت نائما في المسجد على خميصة (عباءة أو ما أشبهها) لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذت الرجل فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع، فقلت: اتقطعه من أجل ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها، قال: فهلا كان هذا قبل أن تأتيني به "؟

وأما اعتبار عدم الشبهة فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" أدرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم "

وقد اشتهر هذا فأصبح كالمعلوم بالضرورة، فلا يقطع العبد إذا سرق من مال سيده، ولا الأب من مال ابنه، ولا الشريك من شريكه، ولا الدائن من مدينه لوجود الشبهة.

الحكم الخامس: من أين تقطع يد السارق؟

دل قوله تعالى: ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ على وجوب قطع اليد في السرقة، وقد أجمع الفقهاء على أن اليد التي تقطع هي (اليمنى) لقراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما).

ثم اختلفوا من أين تقطع اليد فقال فقهاء الأمصار تقطع من المفصل (مفصل الكف) لا من المرفق، ولا من المنكب، وقال الخوارج: تقطع إلى المنكب، وقال قوم: تقطع الأصابع فقط.

حجة الجمهور ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع يد السارق من الرسغ، وكذلك ثبت عن (علي) و(عمر بن الخطاب) أنهما كانا يقطعان يد السارق من مفصل الرسغ، فكان هو المعول عليه.

وإذا عاد إلى السرقة ثانيا قطعت رجله اليسرى باتفاق الفقهاء لما رواه (الدارقطني) عنه عليه السلام أنه قال:

" إذا سرق السارق فاقطعوا يده، ثم إذا عاد فاقطعوا رجله اليسرى "

ولفعل (علي) و(عمر) من قطع يد سارق ثم قطع رجله، وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليهما أحد فكان ذلك إجماعا.

وأما إذا عاد إلى السرقة ثالثا فلا قطع عند الحنفية والحنابلة، ولكنه يضمن المسروق ويسجن حتى يتوب، وقال المالكية والشافعية: إذا سرق تقطع يده اليسرى، وإن عاد إلى السرقة رابعا تقطع رجله اليمنى.

ويروى أن أبا حنيفة قال: " إني استحيي من الله أن أدعه بلا يد يأكل بها، وبلا رجل يمشي عليها " وهذا القول مروي عن (علي) و(عمر) وغيرهما من الصحابة.

خاتمة البحث

حكمة التشريع

صان الإسلام بتشريعه الخالد كرامة الإنسان، وجعل الاعتداء على النفس أو المال أو العرض جريمة خطيرة، تستوجب أشد أنواع العقوبات، فالبغي في الأرض بالقتل والسلب، والاعتداء على الآمنين بسرقة الأموال، كل هذه جرائم ينبغي معالجتها بشدة وصرامة، حتى لا يعيث المجرمون في الأرض فسادا، ولا يكون هناك ما يخل بأمن الأفراد والمجتمعات.

وقد وضع الإسلام للمحارب الباغي أنواعا من العقوبات (القتل، الصلب، تقطيع الأيدي والأرجل، النفي من الأرض) كما وضع للسارق عقوبة (قطع اليد) وهذه العقوبات تعتبر بحق رادعة زاجرة، تقتلع الشر من جذوره، وتقضي على الجريمة في مهدها وتجعل الناس في أمن، وطمأنينة، واستقرار.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ١٨٢