" ألا أخبركم عن خير ما يكنز المرء المرأة الصالحة... "
الحديث. والصلاح إنما يكون في المؤمنة الفاضلة، وهذا هو السر في تقييد النكاح بالمؤمنات في سورة الأحزاب
يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات
[الأحزاب: 49].
اللطيفة الثانية: تقييد التحليل بإيتاء الأجور، يدل على تأكيد وجوب المهور، وأن من تزوج امرأة وعزم ألا يعطيها صداقها كان في صورة الزاني، وتسمية (المهر) بالأجر دلالة على أن الصداق ليس له قدر محدود، كما أن الأجر لا يتقدر وإنما يكون حسب الاتفاق.
اللطيفة الثالثة: التعبير بقوله تعالى: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ هو من إطلاق اسم الشيء على لازمه فهو (مجاز مرسل) لأن المراد ومن يكفر بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فجعل كلمة التوحيد إيمانا، لأنها تستلزم الإيمان، وقيل: المراد ومن يكفر بشرائع الله، أو بدين الله فقد حبط عمله، وكلاهما متقارب من حيث إرادة المجاز.
اللطيفة الرابعة: مجيء المسح في آية الوضوء ضمن الأعضاء المفروض غسلها. فيه إشارة لطيفة إلى أنه ينبغي مراعاة الترتيب في الوضوء، فيغسل الوجه أولا، ثم اليدين إلى المرفقين ثانيا، ثم يمسح الرأس، ثم يغسل القدمين، وهذا الترتيب - وإن لم يكن واجبا في بعض الأقوال - إلا أنه على كل حال مطلوب ومندوب، فيكون اتباع الهدي النبوي أكمل وأولى.
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: حكم ذبائح أهل الكتاب.
ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ﴾ أي ذبائح أهل الكتاب وهو الصحيح لا الخبز والفاكهة ولا جميع المطعومات كما قال البعض، لأن الذبائح هي التي تصير بفعلهم حلا، وأما الخبز والفاكهة فهي مباحة للمؤمنين قبل أن تكون لأهل الكتاب وبعد أن تكون لهم، فلا وجه لتخصيصها بأهل الكتاب.
وخص هذا الحكم بأهل الكتاب لأن الوثنيين لا يحل أكل ذبائحهم، ولا التزوج بنسائهم، لقوله تعالى:
ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه
[الأنعام: 121] وقوله:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221].
أما أهل الكتاب فلهم حكم خاص من حيث الذبائح، والنكاح، وأما المجوس فقد سن بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه استثنى نصارى (بني تغلب) وقال: ليسوا على النصرانية ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، وبه أخذ الشافعي رحمه الله.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: لا بأس به، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله.
وإنما قال تعالى: ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ ولم يذكر النساء للتنبيه على أن الحكم مختلف في الذبائح والمناكحة، فإن إباحة الذبائح حاصلة من الجانبين، بخلاف إباحة المناكحات فإنها في جانب واحد، والفرق واضح لأنه لو أبيح لأهل الكتاب التزوج بالمسلمات، لكان لأزواجهن الكفار ولاية شرعية عليهن، والله تعالى لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا، بخلاف إباحة الطعام من الجانبين فإنها لا تستلزم محظورا.
الحكم الثاني: حكم نكاح اليهودية أو النصرانية.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من اليهود والنصارى، واستدلوا بهذه الآية الكريمة ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله تعالى:
ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن
[البقرة: 221] ويقول: لا أعلم شركا أعظم من قولها: إن ربها عيسى، واستدل أيضا بأن الله أوجب المباعدة عن الكفار في قوله:
لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء
[الممتحنة: 1].
أقول: الآية صريحة في جواز نكاح الكتابيات، وهي دليل واضح لما ذهب إليه الجمهور، ولعل ابن عمر كره الزواج بالكتابيات ومنع منه، خشية على الزواج أو على الأولاد من الفتنة، فإن الحياة الزوجية تدعو إلى المحبة، وربما قويت المحبة فصارت سببا إلى ميل الزوج إلى دينها، والأولاد يميلون إلى أمهم أكثر، فربما كان هذا سببا في تأثرهم بدين النصرانية أو اليهودية فيكون هذا الزواج خطرا على الأولاد، فإذا كان ثمة خشية من الفتنة على الزوج أو الأولاد فيكون الزواج قطعا محرما، وأما إذا لم يكن هناك خطر، أو كان هناك طمع في إسلامها فلا وجه للقول بالتحريم والله أعلم.