تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحكم الثالث: هل يحجر على الكبير؟

ذهب جمهور العلماء إلى أن الكبير يحجر عليه كما يحجر على الصغير إذا كان سفيها.

وذهب أبو حنيفة إلى أن من بلغ خمسا وعشرين سنة سلم له ماله سواء كان رشيدا أو غير رشيد.

قال العلامة القرطبي: " واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهور الفقهاء يحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلا إلا أن يكون مفسدا لماله، فإذا كان كذلك منع من تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه بكل حال، سواء كان مفسدا أو غير مفسد لأنه يصير جدا، وأنا أستحيي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدا ".

أقول: الصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وهو مذهب الصاحبين (أبي يوسف ومحمد) أيضا، ولا عبرة بكبر السن فرب رجل يبلغ الخمسين من العمر وهو سفيه الحلم يسرف ماله ويبذره فيجب الحجر عليه، وذلك أن الصبي إنما منع من ماله لفقد العقل الهادي إلى حفظ المال، وكيفية الانتفاع به، فإذا كان هذا المعنى قائما بالشيخ والشاب، كانا في حكم الصبي فوجب أن يمنع دفع المال إليه ما لم يؤنس منه الرشد لظاهر الآية الكريمة.

وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: " إن الرجل لتنبت لحيته ويشيب وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء فيها ".

الحكم الرابع: هل يباح للوصي أن يأكل من مال اليتيم؟

دل قوله تعالى: ﴿ ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ على أن للوصي أن يأكل من مال اليتيم إذا كان فقيرا بمقدار الحاجة من غير إسراف، وإذا كان غنيا وجب عليه أن يتعفف عن مال اليتيم، ويقنع بما رزقه الله من الغنى، وقد اتفق العلماء على جواز أخذ قدر الكفاية بالمعروف عند الحاجة واختلفوا هل عليه الضمان إذا أيسر؟

فذهب بعضهم إلى أنه لا ضمان عليه لأن الله تعالى أباح له الأكل بالمعروف فكان هذا مثل الأجرة، وهذا مروي عن الإمام أحمد رحمه الله.

وذهب آخرون إلى وجوب الضمان واستدلوا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " ألا إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة الولي من مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت ".

وقال الحنفية فيما رواه الجصاص عنهم أنه لا يأخذ على سبيل القرض، ولا على سبيل الابتداء سواء كان غنيا أو فقيرا، واحتجوا بعموم الآيات

وآتوا اليتامى أموالهم

[النساء: 2]، ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتمى ﴾ ،

وأن تقوموا لليتمى بالقسط

[النساء: 127]

ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل

[البقرة: 188].

قال الجصاص فهذه محكمة حاصرة لمال اليتيم على وصيه، وقوله: ﴿ ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ﴾ متشابه محتمل فوجب رده إلى تلك المحكمات.

وروي عن ابن عباس أنه قال: ﴿ ومن كان فقيرا ﴾ الآية نسختها ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما ﴾ إلخ.

الترجيح: وقد رجح الطبري القول الأول وهو جواز الأخذ على وجه الاستقراض حيث قال: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ المراد أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه فغير جائز له أكله ".

أقول: ولعل هذا القول أرجح، لأنه جمع بين النصوص والله أعلم.

ما ترشد إليه الآيات الكريمة

1 - وجوب الحجر على السفهاء حتى يتبين رشدهم وإصلاحهم للأموال.

2 - الانفاق على المحجور عليه بالطعام والكسوة وسائر وجوه الإنفاق.

3 - اختبار حال الأيتام عند البلوغ قبل تسليمهم المال لمعرفة دلائل الرشد.

4 - ضرورة الإشهاد عند تسليم اليتامى أموالهم خشية الجحود والإنكار.

5 - تقرير الإسلام لمبدأ الميراث وجعله حقا للذكور والإناث في مال الأقرباء.

6 - وجوب الإحسان إلى اليتامى والخشية عليهم كما يخشى الإنسان على أولاده من بعده.

7 - الإعتداء على أموال اليتامى من الكبائر التي توجب عذاب النار.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ١٤٢