ثالثا: حديث أبي سعيد الخدري:
" أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ".
قالوا: فهذه الآثار كلها تدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، فإن قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "
يدل على نفي الصحة، وكذلك حديث أبي هريرة فهي خداج قالها عليه الصلاة والسلام ثلاثا يدل على النقص والفساد، فوجب أن تكون قراءة الفاتحة شرطا لصحة الصلاة.
أدلة الحنفية:
استدل الثوري وفقهاء الحنفية على صحة الصلاة بغير قراءة الفاتحة بأدلة من الكتاب والسنة.
أما الكتاب: فقوله تعالى:
فاقرءوا ما تيسر من القرآن
[المزمل: 20] قالوا: فهذا يدل على أن الواجب أن يقرأ أي شيء تيسر من القرآن، لأن الآية وردت في القراءة في الصلاة بدليل قوله تعالى:
إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل
إلى قوله:
فاقرءوا ما تيسر من القرآن
[المزمل: 20] ولم تختلف الأمة أن ذلك في شأن الصلاة في الليل، وذلك عموم عندنا في صلاة الليل وغيرها من النوافل والفرائض لعموم اللفظ.
وأما السنة: فما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه
" أن رجلا دخل المسجد فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام وقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل " فصلى ثم جاء فأمره بالرجوع، حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فقال عليه الصلاة والسلام: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " ".
قالوا: فحديث أبي هريرة في تعليم الرجل صلاته يدل على التخيير (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ويقوي ما ذهبنا إليه، وما دلت عليه الآية الكريمة من جواز قراءة أي شيء من القرآن.
وأما حديث عبادة بن الصامت: فقد حملوه على نفي الكمال، لا على نفي الحقيقة، ومعناه عندهم (لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ولذلك قالوا: تصح الصلاة مع الكراهية، وقالوا هذا الحديث يشبه قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ".
وأما حديث أبي هريرة: (فهي خداج، فهي خداج...) الخ فقالوا: فيه ما يدل لنا لأن (الخداج) الناقصة، وهذا يدل على جوازها مع النقصان، لأنها لو لم تكن جائزة لما أطلق عليها اسم النقصان، لأن إثباتها ناقصة ينفي بطلانها، إذ لا يجوز الوصف بالنقصان للشيء الباطل الذي لم يثبت منه شيء.
هذه هي خلاصة أدلة الفريقين: سردناها لك بإيجاز، وأنت إذا أمعنت النظر، رأيت أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلا، وأقوى قيلا، فإن مواظبته عليه الصلاة والسلام على قراءتها في الفريضة والنفل، ومواظبة أصحابه الكرام عليها دليل على أنه لا تجزئ الصلاة بدونها، وقد عضد ذلك الأحاديث الصريحة الصحيحة، والنبي عليه الصلاة والسلام مهمته التوضيح والبيان، لما أجمل من معاني القرآن، فيكفي حجة لفريضتها ووجوبها قوله وفعله عليه السلام.
ومما يؤيد رأي الجمهور ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه قال:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، وكان يطول في الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح ".
وفي رواية:
" ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ".
قال الطبري: يقرأ بأم القرأن في كل ركعة، فإن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها.
قال القرطبي: والصحيح من هذه الأقوال، قول الشافعي وأحمد ومالك في القول الآخر، وأن الفاتحة متعينة في كل ركعة لكل أحد على العموم لقوله عليه الصلاة والسلام: