قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره :
فأمَرَ تَعَالى بِرَدّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرَّدّ إلى الكتاب والسنة ، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا ، وامتثال فتواهم لازِماً .
قال سهل بن عبد الله رحمه الله : لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء ، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم ، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم .
وفي تفسير قوله تعالى : ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا ) .
قال رحمه الله : ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) أي يستخرجونه ، أي لَعَلِمُوا ما ينبغي أن يُفْشَى منه ، وما ينبغي أن يُكْتَم . اهـ .
وقوله : (ومن الخطأ الإقرار بالاختلاف بين المسلمين لأن ذلك اعتراف بالسير على خطى بني إسرائيل) ، أقول : ومن الخطأ أيضا عدم الاعتراف بالخطأ ؛ لأنه لا سبيل إلى إصلاح الخطأ ما لم نعرفه ، كما لا سبيل إلى علاج المرض ما لم يتمّ تشخيص الداء !
والعلماء يُفرِّقون بين الاختلاف في المسائل الفقهية – كما تقدّم – وبين الخلاف في مسائل الاعتقاد ، ومُخالفة الشرع ، وذلك لأن الخلاف على نوعين :
الأول : اختلاف تنوّع ، وهذا ما تأتي به النصوص ، وتتابين فيه الأفهام .
الثاني : اختلاف تضادّ ، وهذا قد يقع في الأفهام ، ولكنه لا يكون في النصوص .
والاختلاف المذموم ما ترتّب عليه تناحر وتنازع وضلال وبِدع ، أما مُجرّد الخلاف فليس مما يُذمّ ، كما تقدّم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعنّف أصحابه حينما تباينت أفهامهم للنصّ .