ثم إن تفريق الدِّين إنما هو في مفارقة الجماعة ، وفي سُلوك سُبل الضلال .
قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) : كل ضالّ فَلِدِينِه مُفَارِق ، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده ، فَتَهَوّد بعض ، وتَنَصّر آخرون ، وتَمَجّس بعض . وذلك هو " التفريق " بِعَينِه ، ومَصير أهله شيعًا متفرقين غير مجتمعين ، فهم لِدِين الله الحقِّ مفارقون، وله مفرِّقون . اهـ .
وأخبر عليه الصلاة والسلام أن أمته سوف تفترق على فِرق كثيرة ، وان الخلاص والمنجا في التمسّك بالسنة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال : وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ، كلهم في النار إلاَّ ملة واحدة . قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي . رواه الترمذي وغيره .
فالتمسّك بالسُّنَّة نَجاة , والتخلّف عن ركبها هلاك .
قال الإمام الزهري : كان من مضى مِن علمائنا يقولون : الاعتصام بالسُّنَّة نَجَاة .
وقال الإمام مالك رحمه الله : مثل السُّنَّة مثل سفينة نوح ؛ من رَكِبها نجا ، ومَن تَخَلّف عنها غَرِق .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وهذا حق ، فإن سفينة نوح إنما رَكِبها مَن صَدّق المرسلين واتبعهم ، وإن من لم يركبها فقد كَذّب المرسلين ، واتَّباع السنة هو اتِّباع الرسالة التي جاءت من عند الله ، فتابِعها بِمَنْزِلة مَن رَكِب مع نوح السفينة باطنا وظاهرا ، والْمُتَخَلِّف عن اتِّبَاع الرسالة بِمَنْزِلة الْمُتَخَلِّف عن اتَّباع نوح عليه السلام وركوب السفينة معه . اهـ .
وكذلك الاستدلال بقوله تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) ، لا يصحّ على ترك السنة ولا ترك الانتساب إليها ؛ لأن اتِّبَاع السُّبُل إنما هو في ترك السنة واتِّباع البِدع !