ومعرفة قَدْر الأئمة المتقدِّمين لا يعرفه إلاّ أهل الفضل ، إذ لا يَعرف الفضل لأهله إلاّ ذوو الفضل .
ومن ليس له ماض فلن يكون له حاضر ..
ولن يُصلِح آخر هذه الأمة إلاّ ما صَلح به أولها ..
ولن تحيا أمة – حياة كريمة - وهي تتنكّر لأصولها وماضيها !
بل إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يُذكِّر اللاحِق منهم بالسابق ..
فالأنبياء دعوتهم واحدة من حيث : إثبات التوحيد وإثبات المعاد وإثبات النبوّات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ ؛ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ .
وفي رواية : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ ، وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ .
وهذا بِخلاف أهل الدنيا الذين يلعن اللاحق منهم السابق !
خامسا :
ما يُحتَجّ به من أن كلام أهل العلم السابقين كان خاضِعا لمتغيِّرات زمانهم ، فهذا ليس بصحيح على إطلاقه ، بل منه ما هو عبارة عن ثوابت وقواعد يصلح أن تُطبَّق في كل زمان ومكان ، مثل القواعد الكلية الكبرى ، التي تُنَزَّل اليوم على كثير من الأحكام والمتغيّرات والمستجدّات .
ومنه ما هو خاضِع لتلك العصور ، وهو قليل إن لم يكن نادر جدا .
ولو كانت تلك الدعوى تدعو إلى التجديد في بعض المصطلحات ، أو كانت تدعو إلى تصفية بعض العلوم الشرعية مما لحقها من شوائب ، كتلك المسائل التي استَدَلّ أصحابها لها بأحاديث شديدة الضعف أو موضوعة ، أو خالفت الأقوال فيها نصوصا ثابتة ؛ لكانت تلك الدعوى لها حظّ من النَّظَر .