الناس أمام الأخذ بالمذاهب الفقهية والرجوع إليها : طَرَفان ووسط .
فَطَرَف يُريد أن يَطَّرِح كل قول وكل مذهب ، ليأتي بِفَهْم جديد ، وهذا لا شكّ أنه سوف يأتي بالْمُضْحِكات ، لِغربة الزمان وقِلّة الفقه .
وطَرَف يَرى أنه لا يجوز التزحزح عن المذهب الذي يذهب إليه ، ويَرى أن المسلم مأمور بالْتِزام مذهب مُعيّن ، حتى إن بعضهم ليُقدِّم قول إمامه على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم !
والوسط أن تأخذ من المذاهب الفقهية ما يُعينك ، وأن تطلب الحق فيها ، لا أن يُلفِّق الإنسان له مذهبا مُتَّبِعا الرُّخَص فيه ، ولا آخِذا بِزلاّت العلماء ، وإنما يأخذ ما وافق الحق وما عضده الدليل ، إذ ليس مِن إمام من أئمة الهدى يَدعو الناس إلى الأخذ بِكلّ ما قال ، بل قد اتّفقت كلمات الأئمة على طرح أقوالهم إذا خالفت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثالثا :
إننا نرى في عالمنا اليوم من التخبّط الفقهي وتتبّع الرُّخَص والأخذ بِزلاّت العلماء ، ما يردّ هذا القول جُملة وتفصيلا ، وأعني به : إيجاد فقه جديد !
مع تأثّر المذاهب الفقهية المعاصرة بالمذاهب العقدية ..
ورحم الله الإمام أحمد حيث كان يقول : إياك أن تَتَكَلَّم في مَسالة ليس لك فيها إمام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : وكُلّ قَوْل يَنْفَرِد به الْمُتَأخِّر عن الْمُتَقَدِّمِين ، ولَم يَسْبِقه إليه أحد منهم ، فإنه يَكون خطأ . اهـ .
رابعا :
من عَرَف قَدْر أهل العلم من أئمة الفقه والفتوى على مرّ العصور ، عَرَف كم هي الجهود المبذولة في القرون الفاضلة إلى زماننا هذا في بناء أصول العِلْم وتقرير قواعده ، بِما ليس له مثيل ، سواء في الفقه أو في الحديث أو في أصولهما ، أو في التفسير ، أو في العقائد .. وفي كلّ عِلْم يُنسب إلى الشريعة ، نَجِد أن العلماء وضعوا له قواعد وأُسس وأصول ، يستحيل أن تجتمع المجاميع الفقهية المعاصرة أن تأتي بِمثلها .