وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث :
قَوْله : " مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا " أَيْ : عَلَى مَجْمُوعكُمْ ، لأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنْ الْبَعْض أَعَاذَنَا اللَّه تَعَالَى . اهـ .
أقول : ويُمكن حمله على الْمُخاطَبِين به ، وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم ؛ لأن الله قد زكّاهم وزكّاهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، ووعدهم الله المغفرة ، كما قال تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إلى أن قوله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)
" وقد يُخَصَّص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بِوَعْد المغفرة تفضيلاً لهم ، وإن وَعَد الله جميع المؤمنين المغفرة " ، كما قال القرطبي .
ومثله قوله عليه الصلاة والسلام : " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ "
فليس لهم فيه أدنى استدلال على أن الشرك لا يقع في هذه الأمة ، وذلك من عدة أوجه :
الأول : أن أمة الإسلام لا تحصرها جزيرة العرب ، ونص الحديث " أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ " ، وهذا لا يعني أن لا يقع الشرك في غيرها .
الثاني : أن هذا خاص بالْمُصَلِّين ، وهذا أيضا دالّ عليه نص الحديث : " أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ " ، ومعنى هذا أن غير الْمُصَلِّين ليسوا في أمان من الشرك ، وهذا يتوافق مع قوله عليه الصلاة والسلام : بين الرجل وبين الشرك والكفر تَرْك الصلاة . رواه مسلم .
فتارك الصلاة واقع في الشرك أو في الكفر ، وسأذكر بعد قليل بعض أقوال الصحابة في ذلك .
الثالث : أن إياس الشيطان من أن يُعْبَد في جزيرة العرب لا يمنعه من المحاولات حتى يقع ما أراد !