ثانيا : لو افترضنا انجبار المرسل بمجيئه من أكثر من وجه ، فإن المتن مُنكَر جدا ، فكيف يُتصوّر تسليط الشيطان على نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى يتكلّم على لسانه ؟ وكيف يختلط الحق بالباطل ، بحيث يختلط الوحي بِما ألقاه الشيطان ؟
والصحيح أن ذلك مما ألقاه الشيطان في أسماع المشركين ، ولم يَجر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولذلك قال ابن شِهاب في تفسير الآية : أُنْزِلت سورة النجم ، وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يَذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم ، فكان يتمنى هُداهم ، فلما أنزل الله سورة "النجم" قال : ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى . وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى ) ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت ، فقال : "وإنهن لهن الغرانيق العُلى . وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى " . وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلّت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا : إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه . فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم ، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا ، فرفع على كَفِّه تُرابا فَسجد عليه . فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود ، لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين - ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين – [وأما المشركون] فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطانُ في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله صلى الله عليه