والثاني : قول : فلان كافر . وأعني به تنْزِل الْحكم على أحدٍ من أهل القبلة . فهذا ليس بالأمر السّهل ولا بالْهَيّن . بل هو والله أمر عظيم ؛ لأن مقتضى ذلك أن نشهد لأحد بِجنّة أو نار ، أو أن نعتقد أن الله لا يغفر لِفُلان .
وهذه المسألة سبق بسط القول فيها هنا :
حتى لا تبوء بها
ولذا كان الأئمة يُطلِقون الوصف الأول ، ويتورّعون ويُحجِمون عن الثاني . لقد كان الإمام أحمد رحمه الله يقول : من قال القرآن مخلوق فهو كافر .
ومع ذلك لم يُكفِّر المعتصم ولا كبير قُضاته ابن أبي دؤاد ، مع أنهم حملوا الناس على القول بتلك البدعة المكفِّرة ، وما سجنوا الإمام أحمد إلا ليقول بذلك القول ؟ فهذا القول كُفر ، وحماه المعتصم وتبنّاه ، ونافح عنه كبير قُضاته ، ومع ذلك لم يُحكم بكفر المعتصم .
وهكذا كل حُكم عام أطلقه أهل العلم ، فلا ينبغي المسارعة فيه ، ولا في إطلاق الْحُكم على أحد من أهل القبلة ، إلاّ بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع . ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن لا يَحكموا لِمُعيّن من أهل القبلة بِجَنّة ولا بنار .
قال الإمام الطحاوي رحمه الله : ولا نُنْزِل أحدا منهم جنة ولا نارا .
قال ابن أبي العز رحمه الله : يريد أنا لا نقول عن أحد معين من أهل القبلة إنه من أهل الجنة ، أو من أهل النار إلاَّ من أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة ، كالعشرة رضي الله عنهم ، وإن كنا نقول إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار ثم يُخْرَج منها بشفاعة الشافعين ، ولكنا نقف في الشخص المعين فلا نَشهد له بجنة ولا نار إلاَّ عن علم ؛ لأن الحقيقة باطنة ، وما مات عليه لا نحيط به ، لكن نرجو للمحسنين ، ونَخَاف على المسيئين .