رابعا : من أخذ بِفتوى عالِم موثوق بِعِلْمه ، ثم ذهب إلى الجهاد في سبيل الله ، فَقُتِل ، فلا يجوز الطعن فيه ؛ لأنه صَدَر عمّن أُمِر أن يصدر عنه ، ولأنه أفضى إلى ما قدّم ، ولأن لكل امرئ ما نوى .
وكوننا نُخالفه الرأي ، لا يعني أن نطعن فيه ، ولا أن نُضَلِّلَه ، فضلا عن أن نحكم بأنه مات على غير مِلّة الإسلام ! فهذه جِناية وجُرأة على الله ، وليس لنا أن نحكم على الله في عباده ، فمن أفضى إلى ما قدّم وقَدِم على الله ، فحسابه على الله ، وليس علينا حسابه .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أومر أن أنقب قلوب الناس ، ولا أشق بطونهم . رواه البخاري ومسلم .
وفي الصحيحين قصة مقتل عامر بن الأكوع رضي الله عنه ، وفي الحديث أن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : فلما تَصَافّ القوم كان سيف عامر قصيرا ، فتناول به ساق يهودي ليضربه ويرجع ذباب سيفه فأصاب عَين رُكبة عامر فمات منه .
قال : فلما قَفَلُوا قال سَلَمَة : رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي قال : ما لك ؟ قلت له : فداك أبي وأمي ! زعموا أن عامرا حَبِط عمله . قال النبي صلى الله عليه وسلم : كَذَب من قاله ، إن له لأجرين - وجَمَع بَيْن إصبعيه - إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ .
فهذا في ظاهر الأمر قَتَل نفسه بِسلاحه ، إلاّ أنه عُومِل بِنِيّتِه ، بخلاف الشخص الآخر الذي قَتَل نفسه عمدا ، وقصته مُخرّجة في الصحيحين أيضا من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه ، وفيه : فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا ،فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ .
فهذا عُومل أيضا بِنِيّتِه .