إنْ زارني فبفضلِهِ أو زرته فلفضلِهِ *** فالفضلُ في الْحَالَينِ لَهْ
ولذا كان الإمام أحمد يقول : هذا الذي ترون كُله أو عامّته من الشافعي ، وما بِتّ منذ ثلاثين سنة إلاَّ وأنا أدعو للشافعي . وقال : ما صَلَيتُ صلاة منذ كذا سنة إلاَّ وأنا أدعو للشافعي .
قال الشيخ عطية سالم رحمه الله في كتابه الحافل " موقف الأمة من اختلاف الأئمة " : وكذلك كان الليث بن سعد معاصر لِمالِك ومجاوره بالمدينة ، ثم انتقل إلى مصر ، وكان إمام مصر ، ومع هذا البعد كان يختلف مع مالِك ، وكان مالِك يُراسله ، ويتلقّى رسائله في كل تقدير وإخاء ، بل قيل : إن الليث طلب من الله أن يُنقص من عمره مُدّة يزيدها في عُمر مالك ! . اهـ .
قال يونس الصدفي : ما رأيت أعقل من الشافعي ؛ ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال : يا أبا موسى ! ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة ؟!
هذه إشارة إلى شيء من فِقه الخلاف .
ثالثا : مسائل الجهاد من مسائل الاجتهاد ، خاصة ما يتعلّق بِفِقْه نَوازِله ، لا بِأصْل مشروعيته . فلا يشكّ أحد في مشروعية الجهاد ولا يُخالف فيها ، وإنما يقع الخلاف في مسائل من مسائل الجهاد ، ومسائل النوازل التي تنْزِل بالأمّة .
ومن تلك المسائل التي جرى فيها الخلاف بين أهل العلم قديما وحديثا الاستئذان في الخروج للجهاد . فمن أهل العلم من لا يرى الخروج إلاّ بإذن وليّ الأمر ، ومنهم من لا يرى ذلك .
والذي يترجّح التفريق بين أمرين : خروج شخص للجهاد ، وخروج سريّة أو طائفة من الجيش .فأكثر الفقهاء على أن الأول لا يُشترط له إذن ، خاصة إذا تعيّن الجهاد ، أو إذا أخذ الشخص بفتوى عالم بذلك .
والثاني لا بُدّ فيه من إذن الإمام ، لأن ترك الاستئذان يُحدث فوضى . كما ينبغي التفريق بين نوعي الجهاد : جهاد الطلب ، وجهاد الدفع . ولكل نوع أحكامه ..