فَخُوطِب أهل الكتاب بذلك الخطاب تذكيرا للنعمة التي كانوا عليها ، وتذكيراً لهم بأنهم ليسوا كالذين لم يُؤتَوا الكُتُب أصلاً .رابعاً : إن قيل : إن الذين حَكَم الله بِكفرهم من أهل الكتاب هم طائفة استبان لهم الحق .فالجواب : أن هذا ليس بصحيح ، ولا قائل به .فإن الله قال في حق النصارى : (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ). قال القرطبي : والنصارى مع فِرَقِهم مُجْمِعُون على التثليث ، ويقولون : إن الله جوهر واحد ، وله ثلاثة أقانيم ! فيجعلون كل أقنوم إلها ، ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم ، وربما يُعبِّرون عن الأقانيم : بالأب والابن وروح القدس ، فَيَعْنُون بالأب الوجود ، وبالروح الحياة ، وبالابن المسيح . في كلام لهم فيه تخبط . اهـ . وقال عنهم : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) قال القرطبي : هذا قول اليعقوبية ، فَرَدّ الله عليهم ذلك بحجة قاطعة مما يُقِرُّون به .وقال ابن جرير الطبري في تفسير الآية : هذا ذم من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية الذين ضلوا عن سبل السلام ، واحتجاج منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فريتهم عليه بادِّعائهم له وَلَداً يقول جل ثناؤه : أُقْسِم لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم . وَكُفْرُهم في ذلك تغطيتهم الحق في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز ، وادِّعائهم أن المسيح هو الله فرية وكذبا عليه . اهـ . وقال تعالى عنهم أيضا : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ)قال القرطبي : وهذا قول فِرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية ؛ لأنهم يقولون : أب وابن وروح القدس ؛ إله واحد . ولا يقولون ثلاثة آلهة ، وهو معنى مذهبهم ، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم ، وما كان هكذا صَحّ أن يُحْكَى بالعبارة اللازمة ، وذلك أنهم يقولون : إن
مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيم · الصفحة ٥٠٦٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مكتبة الشيخ عبد الرحمن السحيمص ٥٠٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي