الإشكال الثاني : أنَّ الْجَنَّة لا يَكون فيها ابْتِلاء وتَكْلِيف قَالَت القَدَرِيَّة : إنَّ الْجَنَّة التي أَسْكَنَها الله آدَم وحَوَّاء لم تكَن جَنَّة الْخُلْد ، وإنَما كَان بُسْتَانا مِن بَسَاتِين الدُّنيا ، واحْتَجُّوا بأنَّ الْجَنَّة لا يَكون فيها ابْتِلاء وتَكْلِيف .[وهذا القول هو نَصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب " (البداية والنهاية ، ابن كثير (1/176) وقد أحال مُحققو الكتاب على " سِفْر التكوين ، الإصحاح الثاني (8 - 22) ]
قال الثعلبي : والْجَوَاب : إنا قَد أجْمَعْنَا على أنَّ أهْل الْجَنَّة مَأمُورُون فِيها بالْمَعْرِفة ومُكَلَّفُون بِذلك . وجَوَاب آخَر : إنَّ الله تَعالى قَادِر على الْجَمْع بَيْن الأضْدَاد ، فأَرَى آدَم الْمِحْنَة في الْجَنَّة ، وأرَى إبْراهيم النِّعْمَة في النَّار ؛ لئلا يَأمَن العَبْد رَبّه ، ولا يَقْنَط مِن رَحْمَتِه ، ولِيَعْلَم أنَّ له أن يَفْعَل مَا يَشَاء . اهـ . ثم إنه لَم يُنْف عن الجنة التكليف والابتلاء إلا في الدار الآخرة ، حينما يُقال لأهل الجنة : خُلود فلا موت . وقد قال الله تبارك وتعالى : (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) ، فَسَمَّاه يوم الْخُلود . أما قبل ذلك فلله عزّ وَجَلّ أن يَبْتَلي مَن شَاء بِما شَاء ، والله تبارك وتعالى (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) . والاختلاف بين دُخول الجنة قبل يوم الخلود وبعده أمْر جاءت به النصوص . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الجنة في المنام ، ورأى بعض ما فيها ؟ فرأى الرميصاء ، ورأى قصرا لِعمر ، وسمع صوت نِعال بلال ، وهم كانوا أحياء في دار الدنيا ..