هذه ليلة ليست من ليالي الاجتهاد ، ولا من ليالي إحياء الليل ، وشدّ المئزر ، وإيقاظ الأهل ، بل هي ليلة من عامة الليالي ، قام فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ ما يزيد على خمسة أجزاء ، قراءة متأنِّيَة مترسّلة ، يقف عند آيات الرحمة فيسأل ، وعند آيات العذاب فيتعوّذ ، ثم يركع بمثل هذا القَدْر من القيام ، ثم يقوم طويلاً مثل ذلك ، ويسجد مثل ذلك !
ونحن إذا اجتهدنا في قيام رمضان وقرأ الإمام جُزءاً رأينا أنه قد أطال ، ولو كان ذلك في ليالي العَشْر !
ولعلنا نتساءل :
إذا كان هذا قيامه صلى الله عليه وسلم في ليلة من ليالي العام ، فكيف به إذا اجتهد ؟
وكيف به إذا شدّ المئزر ، وأيقظ أهله ، وأحْيَا لَيْلَه ؟
وأما الموقف الثاني :
فهو متعلق بأحاديث الاستغفار
تأملتُ في استغفاره صلى الله عليه وسلم ، وهو مَنْ غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر .
وكيف كان استغفار من غُفِر له ؟
روى الإمام مسلم من حديث الأغر المزني - وكانت له صُحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إنه لَيُغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة .
قال النووي : والمراد هنا ما يتغشّى القلب . قال القاضي : قيل : المراد الفَتَرات والغَفَلات عن الذِّكْر الذي كان شأنه الدوام عليه ، فإذا فَتَرَ عنه أو غَفَلَ عَدّ ذلك ذنبا ، واستغفر منه . اهـ .
وفي حديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الناس توبوا إلى الله ، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة . رواه مسلم .
وفي رواية : إنْ كُنّا لَنَعُدّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة : رب اغفر لي وتُبْ عليّ إنك أنت التواب الرحيم . رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه .
وفي حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة . رواه البخاري .