فقد قال المهلب وأبو الزناد : يعني أنها كانت أحاديث أشراط الساعة ، وما عَرّف به صلى الله عليه وسلم مِن فساد الدِّين ، وتغيير الأحوال ، والتضييع لحقوق الله تعالى ، كقوله صلى الله عليه وسلم : يكون فساد هذا الدِّين على يدي أغيلمة سفهاء من قريش . وكان أبو هريرة يقول : لو شئت أن أسميهم بأسمائهم ، فخشي على نفسه ، فلم يُصَرِّح.
قال ابن بطال : وكذلك ينبغي لكل مَن أمَر بمعروف إذا خاف على نفسه في التصريح أن يُعَرِّض.
ولو كانت الأحاديث التي لم يُحَدِّث بها من الحلال والحرام ما وَسِعَهُ تركها . اهـ .
وقال ابن حجر : وَحَمَلَ الْعُلَمَاء الْوِعَاء الَّذِي لَمْ يَبُثّهُ عَلَى الأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَبْيِين أَسَامِي أُمَرَاء السُّوء وَأَحْوَالهمْ وَزَمَنهمْ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَكني عَنْ بَعْضه وَلا يُصَرِّح بِهِ خَوْفًا عَلَى نَفْسه مِنْهُمْ ، كَقَوْلِهِ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ رَأْس السِّتِّينَ وَإِمَارَة الصِّبْيَان ، يُشِير إِلَى خِلافَة يَزِيد بْن مُعَاوِيَة ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ سَنَة سِتِّينَ مِنْ الْهِجْرَة .
وقال الإمام الذهبي : وقد صحّ أن أبا هريرة كَتَمَ حديثا كثيرا مما لا يحتاجه المسلم في دِينه ، وكان يقول : لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم . وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء ، فإن العِلم الواجب يجب بَثّه ونَشره ويجب على الأمة حفظه ، والعِلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره ، وينبغي للأمة نقله ، والعِلْم المباح لا يَجب بَثّه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلاَّ خواص العلماء . اهـ .