وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ومن قال : إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلِط على مذهبهما ، ومن قاله مُطلقا من أي مذهب كان فقد قال قولاً بلا دليل ، ولم يجيء عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء قط يقتضى أنه حرّم جميع العقوبات المالية ، بل أخْذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك مُحْكَم غير منسوخ ، وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه ، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث ، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن العقوبات المالية كالبدنية تنقسم إلى : ما يُوافق الشرع ، وإلى ما يخالفه . وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما ، والْمُدَّعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة ، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة إلا مجرد دعوى النسخ ، وإذا طُولِبَ بالناسخ لم يكن معه حجة (59) .
وقال الشيخ أحمد شاكر : إذا تعارض حديثان ظاهراً ، فإن أمكن الجمع بينهما فلا يُعدَل عنه إلى غيره بِحالٍ ، ويجب العمل بهما (60) .
وقال الشنقيطي ، حيث قال : وإنما قلنا إن هذا القول أرجح عندنا لأن الجمع واجب إذا أمكن ، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة كما علم في الأصول (61) .
وقال الشيخ ابن باز تعليقاً على قول ابن حجر : " وتُعُقِّب بأنه منسوخ كما قيل في العقوبة بالمال " (62) : وجزم الشارح بالنّسخ ليس بجيِّد ، والصواب : عدم النسخ لأدلة كثيرة معروفة في محلِّها ، منها : حديث الباب ، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار (63)
فَثَبت بهذا أن الأحاديث مُحْكَمة وليست بمنسوخة ، وذلك لأمور :
1 - ثبوت الأحاديث ولا مُعارِض لها .
2 - عدم معرفة الْمُتقدِّم من المتأخِّر .
3 - إمكانية الجمع بين الأحاديث .
4 - عمل الصحابة والتابعين بها ، بل وعمل الخلفاء والأئمة من بعدهم .
حُكْم المسألة :
جواز العقوبة بالمال ، وهي الغرامة .