تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

أي فالزم الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه واثبت عليه، وكذلك فليستقم من تاب من الشرك وآمن معك، ولا تنحرفوا عما رسم لكم بتجاوز حدوده غلوّا في الدين، فإن الإفراط فيه كالتفريط كلاهما زيغ عن الصراط المستقيم.

وفي هذا إيماء إلى وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية من عقائد وعبادات واجتناب الرأي وبطلان التقليد فيها.

وإيضاح هذا - إن تحكيم العقل البشري في الخوض في ذات الله وصفاته وفيما دون ذلك من عالم الغيب كالملائكة والعرش والجنة والنار - تجاوز لحدوده، فإن اكبر العلماء والفلاسفة عقولا عجزوا إلى اليوم عن معرفة كنه أنفسهم وأنفس ما دونهم من المخلوقات صغيرها وكبيرها حتى الحشرات منها كالنحل والنمل، فأنيّ لهم أن يعرفوا كنه ذات الله وصفاته أو معرفة حقيقة ملائكته وغيرهم من جند الله؟.

ولما خرج متأخر والأمة عن هدي سلفهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان زاغوا فكانوا: «مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» فسقط بعضهم في خيال التشبيه، وبعضهم في خيال التعطيل.

ولو كانوا قد نهجوا نهج السابقين لتجنبوا أسباب الخلاف والتفرق في الدين الذي أوعد الله أهله بالعذاب العظيم وبرأ رسوله منهم.

والواجب التزام كتاب الله وما فسرته به سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من العبادات العملية بدون تحكم بالرأي والقياس، والمعاملات على النحو الذي بينه الكتاب والسنة على السنن القويم دون تأويل ولا تخريج لهما على غير ما يفهم من ظاهرهما.

أما الاختلاف فيما عدا ذلك من أمور القضاء والسياسة وأمور المعاش من زراعات وتجارات فهو أمر طبيعي لا يمكن الغنى عنه، فلولاه لما تقدمت شئون الحياة، ولما حصل التنافس لدى أرباب المهن والصناعات، ولما جدّ كل يوم بدع جديد (موضه) ولكان الناس دائما على الفطرة الأولى، وأنّي لعقل الإنسان أن يسمتر على حال واحدة وقد أوتي الخلافة في الأرض وحسن استعمارها، وبهذا وحده فضل الملائكة ولله في خلقه شئون.

وقد بين سبحانه لنا المخرج إذا حدث بيننا الخلاف في الدين فقال: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» الآية وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم

بقوله لمعاذ بن جبل حين ولاه القضاء في اليمين «بم تقضى؟ قال بكتاب الله. قال فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسوله. قال فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيى - فأقرّه على ذلك».

وهذا هو الاستقامة في الدين التي بها في يرقى المرء إلى أعلى عليين، وقد حثّ الله رسوله عليها في هذه الآية وحث موسى وهارون عليها فقال: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما».

ومدح من اتصفوا بها ووعدهم بالخير والفلاح في الآخرة فقال: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ».

وروى مسلم عن سفيان الثقفي قال: «قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: (قل آمنت بالله ثم استقم)».

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٤٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٤٣٦