د. وفيه الترحيب بالقادم والأنس له، والطمأنة لمستقبله، فهو في أمن وسلام، وفى خير وعافية، ظاهرًا وباطنًا (1). لذلك أمر الله تعالى بالسلام على أهل البيت قبل الدخول عليهم، وسمى ذلك استئناسًا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها﴾ (النور: 27). وأصل الاستئناس: طلب الأُنس الذي هو ضد الوحشة ولما كان المستأْذن يريد باستئذانه أَن يأْنس به أَهل البيت ولا يستوحشوا منه فيأْذنوا له (2). فكأن أهل هذا البيت يحصل لهم الأنس بسلام هذا الذي يدخل إليهم، فلا يستوحشون بدخوله؛ لأنه قد أعطاهم الأمان فأمنوا مكره وأذاه وغشه.
وفي الحديث أن رجلاً استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت فقال: أَلِجُ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل؟ " فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخل" (3).
وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من يأتي إلى مجلس قوم أن يسلّم عليهم، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، مرفوعًا: "إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم، وإذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة" (4). وطلب الإسلام من الرجلين فأكثر إذا التقوا، أن يسلم بعضهم على بعض، وجعل أفضلهم الذي يبدأ بالسلام، فعن أبي أمامة رضي الله عنه، مرفوعًا: "إنَّ أولى النَّاسِ بالله مَنْ بَدَأهُمْ بِالسَّلام" (5).
لكن الأصل في السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، كما في حديث أبي هريرة، مرفوعًا: "يسلم
(1) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 4/ 196.
(2) مفاتيح الغيب، الرازي، 23/ 356؛ لباب التأويل، الخازن، 3/ 290؛ التفسير الوسيط، مجموعة من العلماء، 6/ 1393.
(3) سنن أبي داود، أبواب النوم، باب كيف الاستئذان، 4/ 345/5177. وقال الألباني: إسناده صحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة، 2/ 461/818.
(4) صحيح ابن حبان، كتاب البر والإحسان، باب إفشاء السلام وإطعام الطعام، ذكر الأمر بالسلام للمرء عند الانتهاء إلى نادي قوم مع استعماله مثله عند رجوعه عنهم، 2/ 248/495. وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
(5) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في فضل من بدأ السلام، 4/ 351/5197. وقال الألباني: صحيح.