تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما كان الغالب على مسلكهم في هذه القضية هو مقصد التعليل صاروا لا يعتدون بالمتابعات الساقطة عن حد الاعتبار ، ولا يلتفتون إليها، فتراهم ينصون على تفرد ذلك الراوي الثقة أو المقبول ، في الجملة ، وإن شاركه في روايته لذلك الحديث بعض الهلكى أو المخطئين من الرواة(1) .

(1) وعقد الدكتور حمزة المليباري في (الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها) مبحثاً في التفرد ، هو المبحث الثاني من مباحث الكتاب ، وقد ضم جملة من مسائل التفرد هي (حقيقته ، أهميته في معرفة علل الأحاديث ، الطريقة العلمية للكشف عن التفرد ، ضابط التفرد ، مراتب التفرد ، أمثلة ونماذج توضيحية) ، فقال في بيان حقيقة التفرد (ص71-72) :

(يراد بالتفرد أن يروي شخص من الرواة حديثاً ، دون أن يشاركه الآخرون ، وهو ما يقول فيه المحدثون النقاد : "حديث غريب" ، أو : "تفرّد به فلان" ، أو : "هذا حديث لا يُعرف إلاَّ من هذا الوجه" ، أو "لا نعلمه يُروي عن فلان إلا من حديث فلان" ، أو نحو ذلك .

وما يمكن استخلاصه من نصوصهم أن التفرد على نوعين : تفرد مطلق ، وتفرد نسبي ، غير أنهم كثيراً ما يطلقونه على حديث ولا يفرقون بينهما ، وهذا ما يجعل المبتدئين يفهمون منه خلاف مقصودهم .

أما المطلق فأن لا يكون الحديث معروفاً إلا من رواية فلان ، مثل ما تفرّد به أشعث بن عبد الله ، عن الحسن ،عن عبد الله بن مغفل : أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يبول الرجل في مستحمه … " [أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة من سننه].

يقول الترمذي : "هذا حديث غريب ، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث أشعث بن عبد الله" .

وأما النسبي فأن يكون التفرد بالنسبة إلى جهة معينة ، مثل حديث سلمة بن وردان ، عن أبي سعيد بن أبي المعلى ، عن علي بن أبي طالب ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة … " ، فإنَّ سلمة بن وردان لم يتفرّد بهذا الحديث مطلقاً ، وإنما تفرّد بجعله من مسند علي ، وهذا تفرد نسبي والحديث مشهور عن أبي هريرة. [روى ابن عدي حديث سلمة بن وردان في الكامل 3/1182].

ومثل حديث : " إنما الأعمال بالنيات " ، الذي رواه الربيع بن زياد ، عن محمد بن عمرو ،عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول ابن عدي : لم يروه عن محمد بن عمرو ، عن محمد بن إبراهيم غير الربيع بن زياد [أورده ابن عدي في الكامل 3/997] ؛ اعتبر ابن عدي رواية الربيع لهذا الحديث تفرداً رغم شهرته عن يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر، لأنه تفرّد بإضافته إلى محمد بن عمرو).

ثم قال عقب ذلك (ص72) في بيان أهمية [العلم بـ]التفرد في معرفة علل الأحاديث :

(إن التفرد من المسائل التي اعتنى بها نقاد الحديث إذ أن له علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث ، فهو أحد وسائل الكشف عما يكمن في الأحاديث من أوهام وأخطاء ، فمن ثَمَّ أولاه المحدثون عنايةً بالغةً واهتموا به اهتماماً خاصاً ، فأفردوه بالتصنيف، فمن هذه المصنفات كتاب "الأفراد" ، و "غرائب مالك" ، و "الفوائد المنتخبة" ، للإمام الدارقطني ، ومنها ما يُنسب لتمام [تصحفت في المطبوعة إلى (لأبي تمام) ] وغيره من كتب الفوائد ، ومنها كتاب "المعجم الأوسط" ، و "المعجم الصغير" ، كلاهما للطبراني ، و "المسند المعلل" ، للإمام البزار ، و "حلية الأولياء" ، لأبي نعيم ، و "التاريخ الكبير" للإمام البخاري ، و "الكامل" لابن عدي ، و "الضعفاء" للعقيلي ، وغيرها كثير .

وذلك مما يدل على أهمية المسألة ، إذ أنه ليس بالإمكان تعليل الأحاديث أو تصحيحها إلا بعد معرفة حالة التفرد أو حالة المشاركة في كل طبقة من طبقات الإسناد) ؛ انتهى ما أردت نقله من كلامه، وما بين الحاصرتين زيادات مني إما تصحيحية وإما مأخوذة من هامش (الموازنة).

لسان المحدثين · الصفحة ٥١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ٥١٦