ثم إنه لا يمنع الحكم بالكراهية ما اقتضاه كلام الحكماء في كونه رياضة للبصر وتدميناً له ، كما يُراض كل عضو من أعضاء البدن بما يخصه ، وأن من لم يفعل ذلك وأدمن على سواه تصعب عليه معاناته ، كمن يترك المشي ، أو لا يشم إلا الروائح الطيبة ، فإنه يشق عليه كلٌّ مِن تعاطى المشي وشم الرائحة الكريهة مشقة شديدة ، بخلاف من اعتاده أحياناً ؛ ولا فِعلُ(1) جماعة حتى بعد تقدمِهم في السن ، منهم الحافظان الشمس ابن الجزري والبرهان الحلبي ، ومنهم من المتقدمين أبو عبدالله الصوري ، كتب صحيح البخاري ومسلم في مجلد لطيف ، وبيع بعشرين ديناراً ، كما ذكره ابن عساكر ، فالمشقة بذلك هي الأغلب ؛ وقد قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل ورآه يكتب خطاً دقيقاً : "لا تفعل فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه" ؛ رواه الخطيب في "جامعه"(2) ----.
"إلا" أن تكون دقة الخط "لـ"عذر كـ"ضيق رقٍّ" ، بفتح الراء ، وهو القرطاس الذى يكتب فيه ، ويقال له : الكاغد أيضاً ، بأن يكون فقيراً لا يجد ثمنه ، أو يجد الثمن ولكن لا يجد الرق ، "أو لرحال" مسافر في طلب العلم يريد حمل كتبه معه ، فيحتاج ، إما لفقره ، أو لكونه أضبط ، أن تكون خفيفة الحمل ، قال محمد بن المسيب الأرغياني : كنت أمشي بمصر وفي كمي مئة جزء ، في كل جزء ألف حديث ، فـ"لا" كراهة ، حيث اتصف بواحد مما ذُكر ، فضلاً عن أكثر ، كأن يكون فقيراً رحالاً ؛ وأكثر الرحالين - كما قال الخطيب - يجتمع في حاله الصفتان اللتان يقوم بهما العذر في تدقيق الخط ، يعني كما وقع لأبي بكر عبد الله ابن أحمد بن محمد بن روزبة الفارسي وكان يكتب خطاً دقيقاً حيث قيل له : لمَ تفعلُ؟ فقال : لقلة الورَق والورِق وخفة الحمل على العنق .
(1) هذه الكلمة معطوفة على (كلام الحكماء) .
(2) 1/261) .