تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحديث الصحيح: "عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كل له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خير له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له"[30][30] .

وأمر الأنصار رضي الله عنهم، بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده، حتى يلقوه على الحوض[31][31] .

وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر، وأمر بالصبر عند المعصية، وأخبر "أنه إنما يكون عند الصدمة الأولى"[32][32] .

وأمر صلى الله عليه وسلم المصاب بأنفع الأمور له، وهو الصبر والاحتساب، فإن ذلك يخفف مصيبته، ويوفر أجره، والجزع والتسخط والتشكي يزيد في المصيبة، ويذهب الأجر.

وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصبر خير كله، فقال: "ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع من الصبر"[33][33] .

2 - معنى الصبر وأنواعه:

و الصبر في اللغة: الحبس والكف، ومنه قتل فلان صبراً: إذا أمسك وحبس، ومنه قول تعالى: ]واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه[ [الكهف: 28]، أي احبس نفسك معهم.

فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش.

وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله.

3 - مراتب الصبر:

وهو على ثلاثة أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله.

فالأول: الاستعانة به، ورؤيته أنه هو المصبر، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه، كما قال تعالى: ]واصبر وما صبرك إلا بالله[ [النحل: 127]، يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر.

والثاني: الصبر لله، وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله، وإرادة وجهه، والتقرب إليه، لا لإظهار قوة النفس، والاستحماد إلى الخلق، وغير ذلك من الأعراض.

والثالث: الصبر مع الله، وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينية، صابراً نفسه معها، سائراً بسيرها، مقيماً بإقامتها، يتوجه معها أين توجهت ركائبها، وينزل معها أين استقلت مضاربها.

وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل، والصفح الجميل، والهجر الجميل، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه، والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه.

وقال ابن عيينة في قوله تعلى: ]وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا[ [السجدة: 24]، قال: "أخذوا برأس الأمر فجعلم رؤساء".

تنبيه هام:

والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل، والنبي إذا وعد لا يخلف، ثم قال: ]إنما أشكو بثي وحزني إلى الله[ [يوسف: 86]، وكذلك أيوب أخبر الله عنه: أنه وجده صابراً مع قوله: ]مسني الضر وأنت أرحم الراحمين[ [الأنبياء: 83].

وإنما ينافى الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأى بعضهم رجلاً يشكو إلى آخر فاقة وضرورة فقال: يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟ ثم أنشد:

وإذا عرتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أعلم

وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

4 - الصبر في المحن وكيف نحصله:

أما الصبر في المحن على أذى الظالمين، وعند النوازل فإن العبد يستجلبه ويستعين عليه بثلاث أشياء:

أحدها: "ملاحظة حسن الجزاء" وعلى حسب ملاحظته والوثوق به ومطالعته يخف حمل البلاء، لشهود العوض، وهذا كما يخف على كل متحمل مشقة عظيمة حملها، لما يلاحظه من لذة عاقبتها وظفره بها، ولولا ذلك لتعطلت مصالح الدنيا والآخرة، وما أقدم أحد على تحمل مشقة عاجلة إلا لثمرة مؤجلة، فالنفس موكلة بحب العاجل، وإنما خاصة العقل: تلمح العواقب، ومطالعة الغايات.

وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة، حصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإنه على قدر التعب تكون الراحة.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٣٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٣٨٢