تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نصر الرسل وأتباعهم على الكفار والفجار

قال تعالى : ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ (51) سورة غافر

هذا التعقيب الجازم , يناسب ذلك الموقف الحاسم . ولقد اطلعت منه البشرية على مثل من نهاية الحق والباطل . نهايتهما في هذه الأرض ونهايتهما كذلك في الآخرة . ورأت كيف كان مصير فرعون وملئه في الحياة الدنيا , كما رأوهم يتحاجون في النار , وينتهون إلى إهمال وصغار . وذلك هو الشأن في كل قضية كما يقرر القرآن:

(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد . يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار) . .

فأما في الآخرة فقد لا يجادل أحد من المؤمنين بالآخرة في هذه النهاية . ولا يجد ما يدعوه إلى المجادلة . وأما النصر في الحياة الدنيا فقد يكون في حاجة إلى جلاء وبيان .

إن وعد الله قاطع جازم: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا . .) . .

بينما يشاهد الناس أن الرسل منهم من يقتل ومنهم من يهاجر من أرضه وقومه مكذباً مطروداً , وأن المؤمنين فيهم من يسام العذاب , وفيهم من يلقى في الأخدود , وفيهم من يستشهد , وفيهم من يعيش في كرب وشدة واضطهاد . . فأين وعد الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا ? ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل , ويفعل بها الأفاعيل !

ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور . ويغفلون عن قيم كثيرة وحقائق كثيرة في التقدير .

إن الناس يقيسون بفترة قصيرة من الزمان , وحيز محدود من المكان . وهي مقاييس بشرية صغيرة . فأما المقياس الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان , ولا يضع الحدود بين عصر وعصرولا بين مكان ومكان . ولو نظرنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك . وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها . فليس لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج وجودها . وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها ويختفوا هم ويبرزوها !

والناس كذلك يقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم , قريبة الرؤية لأعينهم . ولكن صور النصر شتى وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة . . إبراهيم عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها . . أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة ? ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار . كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار . هذه صورة وتلك صورة . وهما في الظاهر بعيد من بعيد . فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب ! . . والحسين - رضوان الله عليه - وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب , المفجعة من جانب ? أكانت هذه نصراً أم هزيمة ? في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة . فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانت نصراً . فما من شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف , وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه . يستوي في هذا المتشيعون وغير المتشيعين . من المسلمين . وكثير من غير المسلمين !

وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام , كما نصرها باستشهاده . وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة , ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة , بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه , فتبقى حافزاً محركاً للأبناء والأحفاد . وربما كانت حافزاً محركاً لخطى التاريخ كله مدى أجيال . .

ما النصر ? وما الهزيمة ? إننا في حاجة إلى أن نراجع ما استقر في تقديرنا من الصور . ومن القيم . قبل أن نسأل:أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا !

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ٣٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ٣٥٤