مواصفات جيل التمكين
د. أحمد بلوافي
1 - بين يدي الموضوع:
عند العودة إلى كتاب الله نجد أن كلمة مكَّن ومشتقاتها وردت في ما يقرب من العشرين آية (16 آية)، اثنتا عشرة آية منها دار مدلول الكلمة فيها حول المعنى الذي نريده؛ وهو أن يجعل الله سبحانه الممكن لهم خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم ولهم تخضع البلاد والعباد، وتصلح في حال تولي المؤمنين[1][1] .
ومن شأن هذا الأمر أن يسمح للممكن لهم أن تكون لهم اليد الطولي وبسط نفوذهم على من يقع تحت إمرتهم أو إشرافهم، فيستطيعوا من خلال ذلك الموقع فرض أنظمتهم وسن قوانينهم فيسايرهم في ذلك أمماً طوعاً أو كرهاً من يقع تحت دائرة تأثيرهم.
ومن خلال استعراض الآيات في كتاب الله يتضح هذا الأمر بكل جلاء، ويمكن تقسيم هذا الاستعراض إلى أربعة أقسام:
1 - التمكن لنبي الله يوسف عليه السلام، قال تعالى: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض[ [يوسف: 21]، وقال عز من قائل: ]وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء، نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين[ [يوسف: 56].
2 - التمكين لذي القرنين، قال تعالى: ]ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً[ [الكهف: 84]، وقال سبحانه: ]قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينه ردماً[ [الكهف: 95].
3 - التمكين للذين كفروا، نذكر منه على سبيل المثال بعض الآيات، قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، الآية العاشرة بعد أن أقسم جل وعلا أنه سيسأل المرسلين والأقوام الذين أرسلوا فيهم: ]ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون[، وقال في سورة الأنعام [6]: ]ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين[، وقال سبحانه في سورة القصص [57]: ]وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء[، وغير ذلك من الآيات.
4 - التمكين للمؤمنين أو الوعد لهم بذلك، قال سبحانه عن أصحاب موسى عليه السلام: ]وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها[ [الأعراف: 137]، وقال في سورة القصص [5 - 6]: ]ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونُمكن لهم في الأرض[، وقال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذين يأتوا من بعدهم: ]وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأمر كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً[ [النور: 55]، وقال في سورة الحج [41]: ]الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور[.
هذه معظم المواطن التي وردت فيها كلمة مكَّن ومشتقاتها وتلك هي معانيها وكلها تدور، كما ذكرنا سابقاً، حول إمامة الناس والتولي عليهم وإخضاعهم لسلطة ونفوذ الأقوام الممكن لهم. ولنا كلمة أو وقفة حول الوعد بالتمكين للمؤمنين حيث أنه عند استعراض الآيات التي يتعلق أمر التمكين فيها للمؤمنين نجد أن الله يتحدث على ما بعد التمكين وما يجب أن يكون عليه أمر الفئة المُمَكَّن لها، وهو الأمر الخطير، وذلك لأن النفوس في حال النصر والتمكين والظفر برقاب الناس قد يخالط سويداء قلوبها ما يجعلها تتكبر على الخلق وتنتقم منهم، فاقتضى المقام التنبيه على ذلك، كما قال موسى عليه السلام لقومه المستضعفين: ]عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون[، وتذكير المؤمنين أن تمكينهم يختلف عن تمكين غيرهم، فهم يمثلون مبدأ ورسالة سماوية وليس منهجاً أرضياً، وهم فوق ذلك مؤتمنون عليها، فهذا الذي ائتمنهم - وهو الله جل جلاله - يقول لهم: هذا هو الحال الذي أطلب منكم أن تكونوا عليه عند حصول التمكين لكم.