تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ) (1).

إذا تبينت لنا هذه العلاقة الوثيقة المباشرة، فإننا ننتقل إلى حديث سريع عن بعض ما تفردت به الشريعة الربانية التي قال الله في شأنها:

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (2).

إن حكم الجاهلية هو حكم البشر بعضهم لبعض .. فإن الآية الكريمة تبين أن هناك نوعين اثنين من الحكم لا ثالث لهما. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية. ومن ثم فكل حكم بغير ما أنزل الله هو حكم جاهلية أياً كان مصدره وأيا كانت صورته ومحتوياته.

وحين لا يلتزم الناس بشرع الله، فالبشر هم الذين يشرعون، سواء كان المشرع فرداً، أو جماعة من الناس، أو مجموع الناس كلهم .. فكلهم بشر، وحكمهم كله حكم جاهلية ما دام لا يلتزم بما أنزل الله.

وأول ما يلحظ الإنسان في الشريعة الربانية هو الشمول والإحاطة.

فحين اكتمل الدين، وقال تعالى: (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) (3) كانت الشريعة الربانية قد أحاطت بكل جوانب الحياة البشرية، وشملت كل متطلبات الإنسان في حياته على الأرض.

وهناك ترد قضية الثابت والمتغير في حياة الإنسان، ويرد السؤال: كيف تمتد صلاحية الشريعة خلال القرون المتعاقبة والحياة دائمة التغير لا تثبت على صورة واحدة؟

وهنا تبرز الجاهلية تقول: لا بد أن يشرع البشر لأنفسهم، لأن الشريعة الثابتة لا يمكن أن تتلاءم مع مستجدات الحياة، وقد وصل الإنسان إلى القمر، وفجر الذرة وصنع الأعاجيب!

والذين يقولون مثل هذا من "المسلمين! " لا يعرفون شيئاً عن شريعتهم الربانية، ولا يقرءون تاريخ أمتهم، ولا يراجعون تراثهم؛ لأنهم أداروا ظهرهم لهذا كله منذ دخلوا في عبودية الانبهار بما عند الغرب، وانسحقوا تحت الغزو الفكري، وضغط "الأمر الواقع" الذي أحدثه الغزو الصليبي في ديار المسلمين:

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) (4).

إن في حياة الإنسان -كما في بنية الكون كله- ثوابت ومتغيرات ..

وفي السنوات الأخيرة من تقدم العلم تبين الناس هذه الحقيقة بالنسبة للكون المادي. تبينوا أن هناك تغيراً دائماً، أو -كما يحلو لهم أن يسموه- تطوراً دائماً في شكل الكون: تموت نجوم وتولد نجوم .. يتجمع سديم وتتناثر كواكب .. تتحول معادن مشعة إلى أخرى غير مشعة ويتغير وزنها الذري .. ولكن هذا كله يتم في إطار محور ثابت قوامه تركيب الذرة الذي لا يتغير مهما تغير الشكل الخارجي للكون.

أما في حياة البشر فقد أدرك المسلمون حقيقة الثبات والتغير منذ التزموا بهذا الدين. منذ أخلصوا قلوبهم للا إله إلا الله، فاستنارت بصيرتهم بنور الله ..

أدركوا أن في حياة الناس أموراً ثابتة لا يجوز أن تتغير، لأنها إن تغيرت تفسد الحياة؛ وأموراً دائمة التغير في شكلها، ولكنها محكومة في تغيرها بقواعد ثابتة لا تتغير، وإلا تحول التغير إلى فوضى لا يحكمها ضابط ..

(1) الشورى: 21.

(2) المائدة: 50.

(3) المائدة: 3.

(4) فصلت: 44.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياة · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لا إله إلا الله، عقيدة وشريعة ومنهاج حياةص ٤٤