ثالثاً: المقتضى التشريعي
أشرنا من قبل إلى أن "لا إله إلا الله" لم تكن قط عقيدة فحسب، وإنما ارتبط بها في جميع الرسالات السماوية توجيهات لتنظيم حياة الناس في الأرض، وإن كان لم يصلنا عنها إلا إشارات في القرآن الكريم. وأنه منذ الرسالة التي أنزلت على موسى -عليه السلام- على الأقل- ارتبطت لا إله إلا الله "بدستور" كامل للحياة، وأن هذا الدستور كان دستوراً مؤقتاً في حالتي اليهود والنصارى، وافياً بحاجات بني إسرائيل في ذلك الوقت، سواء الذين آمنوا بموسى -عليه السلام- أو الذين استحياهم عيسى -عليه السلام- من تلك الأمة وقالوا "إنا نصارى" .. حتى جاءت الرسالة الأخيرة، المقدرة في علم الله؛ لتكون هي الرسالة الخاتمة، الموجهة إلى البشرية كافة، والتي اكتمل فيها التشريع، ليبقى وافياً بحاجات البشرية إلى يوم القيامة.
ولن نتحدث هنا عن تفصيلات هذه الشريعة، فذلك مبحث متخصص ليس مكانه هذه العجالة. إنما الذي نحن بصدده هنا هو تأكيد الصلة الوثيقة بين لا إله إلا الله وبين التحاكم إلى شريعة الله، حيث طغى الغزو الفكري وضغط "الأمر الواقع" على بعض أبناء هذه الأمة فصارت هذه البديهية المسلمة في حاجة عندهم إلى بيان ..
يقول تعالى عن المشركين إنهم يقولون:
(أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (1).
(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) (2).
وتحدد هاتان الآيتان الكريمتان جذور الشرك الثلاثة التي جاء الإسلام؛ ليجتثها اجتثاثاً ويجعل الدين كله لله. إنها -على وجه التحديد- عدم الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى، وتوجيه العبادة لغير الله، والتحريم والتحليل من دون الله، أي أمر العقيدة، وأمر العبادة، وأمر التشريع.
ويقابل تلك الجذور الثلاثة للشرك جذور ثلاثة للإيمان: الإيمان الجازم بوحدانية الله سبحانه وتعالى، وتوجيه العبادة كلها لله وحده دون شريك، والتحاكم إلى شريعة الله وحدها دون كل الشرائع، أي مرة أخرى: أمر العقيدة وأمر العبادة وأمر التشريع، وتلك هي المقتضيات الرئيسية للا إله إلا الله، التي يعتبر نقضها أو نقض أي واحد منها نقضاً للا إله إلا الله (3).
وخلال ثلاثة عشر قرناً كاملة من عمر هذه الأمة لم يدر في خلدها قط أن المسلم يمكن أن يتحاكم إلى شريعة غير شريعة الله، أو أنه يظل مسلماً إذا تحاكم عالماً راضياً إلى شريعة غير شريعة الله.
ولكن القرن الأخير غيّر من أحوال هذه الأمة أموراً كثيرة، ما كان يخطر على بال أحد أن تتغير!
لقد ظل خط الانحراف يتزايد خلال القرون، وتبعد الأمة رويداً رويداً عن حقيقة الإسلام التي عاشتها فترة من الزمن غير قصيرة (4) .. ولكنها على الرغم من كل تراجعها لم تفكر في التراجع عن أمرين اثنين: الصلاة، والتحاكم إلى شريعة الله، بوصفهما سمة لا يمكن للمسلم أن يخرج عنهما لتظل له صفة الإسلام.
وفي القرن الأخير .. حين تزايد تراجع الأمة، واشتد ضغط الأعداء عليها، حربياً وسياسياً واقتصادياً، واشتد الغزو الفكري حتى بلغ غاية مداه .. حدث ما لم يكن يخطر في بال أحد، وتراجعت الأمة عن آخر نقطتين كانت تتشبث بهما، وزين لها الشياطين أنه الآن .. الآن فقط .. أخذت الأمة تدرج على مدارج الرقي، وتتقدم إلى الأمام!!
(1) ص: 5.
(2) النحل: 35.
(3) سنتكلم في فصل قادم عن نواقض لا إله إلا الله.
(4) اقرأ إن شئت فصل "خط الانحراف" من كتاب "واقعنا المعاصر".