إن الذي يشرع ينبغي له أن يكون حكيماً؛ لتكون تشريعاته صالحة، ويكون عليماً بأحوال البشر الذين يشرع لهم؛ لكي تكون تشريعاته مناسبة لكيانهم وأحوالهم، ويكون لطيفاً (1)؛ ليعلم ما خفى من الأمور، ويكون خبيراً بما تحدثه تشريعاته من آثار، لكي لا يضع تشريعات ينجم عنها الضرر في الحاضر أو المستقبل. فمنذا الذي يزعم -من البشر جميعاً- أنه متصف بهذه الصفات، ومتصف بها أكثر من الله؟!
(قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ) (2).
(وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (3).
وحين زعم الأوربي -بعد أن انسلخ من دين بولس، الذي ظن خطأ أنه دين الله -حين زعم أنه "شب عن الطوق، ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله" .. فماذا فعل بتشريعاته؟!
ماذا فعل حين "حرر" المرأة؛ ليزيل ما كان واقعاً عليها من ظلم في المجتمع الأوربي، فأفسد أخلاقها، وأخلاق الرجل معها، وحطم الأسرة وشرد الأطفال، ونشر الشذوذ والجريمة؟
وماذا فعل حين ظل يخفف العقوبات على الجريمة حتى صارت الجريمة أمراً عادياً في المجتمع، وجزءاً من الحياة؟!
وماذا فعل حين أحل الربا وأقام عليه اقتصادياته، فبرز طواغيت الرأسمالية يمتصون دماء الكادحين ويستعبدونهم؛ ليزدادوا ترفاً وثراء ويزداد الفقراء فقراً وتعاسة؟
وماذا فعل حين جعل سياسته العالمية مبنية على حق الوحوش -التي تسمي نفسها الدول العظمى- في اقتراف ما يحلو لها من افتراس الصغار وإذلال كرامتهم، والاحتماء بعد ذلك بحق "الفيتو" من أن ينالها أي عقاب على جرائمها؟
وماذا .. وماذا .. وماذا من اختلالات واضطرابات وحروب ومجازر ومظالم على نطاق الأرض كلها، حين زعم الأوربي أنه "شب عن الطوق ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله"؟!
* ... * ... *
إذا تبينت لنا العلاقة الوثيقة بين قضية التشريع وقضية الألوهية، وأن حاكمية الله في الشريعة إن هي إلا جزء من حاكميته سبحانه في الكون كله، بما أنه هو الخالق الذي لا خالق غيره، الرازق الذي لا رازق غيره، المدبر المهيمن، العليم الحكيم:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ .. ) (4).
(لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .. ) (5).
(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (6).
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ) (7).
(1) وردت كلمة "لطيف" في القرآن الكريم بمعنى عليم بما خفى من الأمور.
(2) البقرة: 140.
(3) البقرة: 216.
(4) يوسف: 40.
(5) القصص: 88.
(6) فاطر: 3.
(7) الشورى: 10 - 13.