تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# يهمني كثيرا قبل مفارقتكم لنا أن أملي عليكم بعض الصفات التي يجب أن تتحلوا بها في مستقبلكم والتي عليها تتوقف علو منزلتكم واعتباركم بين زملائكم أن أول ما أذكركم به عزة النفس واعتماد الإنسان على نفسه تلك أمور كثيرا ما تدور على الألسن وينصح بها كل إنسان غيره ولكن قل من يطبقها على نفسه. إن ذل النفس أمر مرذول جدا. فإذا أحاطت بالإنسان أحوال احتياج فعليه أن يسعى بقدر الإمكان في كتمانها وان يتظاهر أمام الناس بأنه في غنى وأنه لا يريد المزيد. تلك صفات تجعل صاحبها مهيبا موقرا في أعين أقرانه فإن كثيرين من الناس يبثون الشكوى لغيرهم من سوء حالتهم ويذكرون لهم أمورا متعلقة بأشخاصهم وقد لا يميل المشكو إليه إلى سماعها مثال ذلك يقول شخص لغيره إني فقير ومحتاج وأريد تنمية ثروتي. فهذا كلام لا لزوم له ولا محصل

يجب على الإنسان أن لا يصرح بكل ما في ضميره خصوصا مما لا يهم الغير. فإذا كان أحدكم في وظيفة فلا يلزمه أن يشكو ويقول أن فلانا كان معي وكان أقل مني في المرتبة وهو الآن رئيسي. فإن إفشاء مثل هذه الأمور ينقص اعتبار قائلها. الإنسان يسعى ليرتقي ولكن بدون أن يشكو ويبكي

تجول في خاطري مسألة أخرى كثيرا ما يقع فيها معظم الناس وأعني بها التسرع في الغضب وعدم مقدرة الإنسان على كتمان فزعه. حقيقة أن هذه أمور قد يصعب في بعض الأحيان تجنبها ولكن إذا تجنبها الإنسان تجعله مهيبا مسموع الكلمة يلفت أنظار الناس خصوصا عندما يرون من هدوئه وسكونه إذا حل به أمر يوجب القلق. إن اللين يفعل ما لا تفعله الشدة. خذوا مثالا بسيطا. افرض أن عندك خادما أتى أمرا أوجب سخطك فانهلت عليه بالشتائم فقل أن يفعل زجرك في خادمك فعلا حسنا وقل أن يهابك ولكن وبخه بطريقة لينة مذكرا إياه أن له حقوقا وعليه واجبات فإن ذلك يفعل فيه ما لم تفعله جلبتك فضلا عن أنك تصون نسك. هذه الصفة العالية شديدة اللزوم في حرفتكم سواء كنتم قضاة أو محامين فيجب على القاضي أو المحامي أن يسعى بقدر الإمكان في كتمان إحساسه ولا يتأثر بسرعة ولا يأخذه انزعاج ولا دهشة حتى يكون حكمه مبنيا على عقله لا على وجدانه. فإذا كان أحدكم محاميا وعامله القاضي بغلظة وبشدة فلا يجب أن يفزع من أول الأمر بل عليه أن يصبر مرة وأخرى ويدافع عن حقه بدم ساكن وبذلك يؤثر في نفس القاضي ويزداد

مجلة المقتبس · الجزء ٩٣ · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المقتبسج ٩٣ · ص ٧٥