تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

} أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سفارته، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به، كما قال، عليه السلام للأنصار: "ألم أجدكم ضُلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن.

وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:8] وكما قال، عليه السلام ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله".

ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ أي: وإن يستمروا على طريقهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالقتل والهم والغم، ﴿والآخرة﴾ أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، ولا يحصل لهم خيرا، ولا يدفع عنهم شرا.

ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاين المنافقين كثيراً , وأغضى عنهم كثيراً , وصفح عنهم كثيراً. . فها هو ذا يبلغ الحلم غايته , وتبلغ السماحة أجلها , ويأمره ربه أن يبدأ معهم خطة جديدة , ويلحقهم بالكافرين في النص , ويكلفه جهاد هؤلاء وهؤلاء جهاداًعنيفا غليظا لا رحمة فيه ولا هوادة.

إن للين مواضعه وللشدة مواضعها. فإذا انتهى أمد اللين فلتكن الشدة ; وإذا انقضى عهد المصابرة فليكن الحسم القاطع. . وللحركة مقتضياتها , وللمنهج مراحله. واللين في بعض الأحيان قد يؤذي , والمطاولة قد تضر.

وقد اختلف في الجهاد والغلظة على المنافقين. أتكون بالسيف كما روي عن علي - كرم اللّه وجهه - واختاره ابن جرير - رحمه اللّه - أم تكون في المعاملة والمواجهة وكشف خبيئاتهم للأنظار كما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - والذي وقع - كما سيجيء - أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين. .

(يحلفون باللّه ما قالوا. ولقد قالوا كلمة الكفر , وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا). .

والنص في عمومه يستعرض حالة المنافقين في كثير من مواقفهم , ويشير إلى ما أرادوه مراراً من الشر للرسول - صلى الله عليه وسلم - وللمسلمين. . وهناك روايات تحدد حادثة خاصة لسبب نزول الآية:

قال قتادة: نزلت في عبد اللّه بن أبي. وذلك أنه اقتتل رجلان , جهني وأنصاري , فعلا الجهني على الأنصاري , فقال عبد اللّه للأنصاري: ألا تنصرون أخاكم ? واللّه ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها رجل

كتابي ((فراعنة العصر في العراء)) · الصفحة ٣٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

كتابي ((فراعنة العصر في العراء))ص ٣٥٠