فَأَمَّا الْأَمْرُ الأَوَّلُ: فَحِفْظُ مَتْنٍ جَامِعِ لِلرَّاجِحِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حِفْظِهِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَنَالُ العِلْمَ بِلَا حِفْظٍ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مُحَالًا.
وَالمَحْفُوظُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَتْنُ الجَامِعُ لِلرَّاجِحِ؛ أَي المُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ الفَنِّ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَأَخْذُهُ عَلَى مُفِيدٍ نَاصِحٍ، فَتَفْزَعُ إِلَى شَيْخٍ تَتَفَهَّمُ عَنْهُ مَعَانِيَهُ، يَتَّصِفُ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ:
وَأَوَّلُهُمَا: الإِفَادَةُ، وَهِيَ الأَهْلِيَّةُ فِي العِلْمِ؛ فَيَكُونُ مِمَّنْ عُرِفَ بِطَلَبِ العِلْمِ وَتَلَقِّيهِ حَتَّى أَدْرَكَ، فَصَارَتْ لَهُ مَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ فِيهِ.
وَالأَصْلُ فِي هَذَا: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ» بِإِسْنَادٍ قَوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَسْمَعُونَ، وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ، وَيُسْمَعُ مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْكُمْ».
وَالعِبْرَةُ بِعُمُومِ الخِطَابِ، لَا بِخُصُوصِ الْمُخَاطَبِ، فَلَا يَزَالُ مِنْ مَعَالِمِ العِلْمِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَأْخُذَهُ الخَالِفُ عَنِ السَّالِفِ.
أَمَّا الوَصْفُ الثَّانِي فَهُوَ النَّصِيحَةُ، وَتَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ اثْنَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: صَلَاحِيَةُ الشَّيْخِ لِلاقْتِدَاءِ بِهِ، وَالْاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ وَدَلَّهِ وَسَمْتِهِ.
وَالْآخَرُ: مَعْرِفَتُهُ بِطَرَائِقِ التَّعْلِيمِ، بِحَيْثُ يُحْسِنُ تَعْلِيمَ المُتَعَلِّمِ، وَيَعْرِفُ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَمَا يَضُرُّهُ، وَفْقَ التَّرْبِيَةِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّاطِبِيُّ فِي «المُوَافَقَاتِ».