تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومِنْها: أنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤيا مِنْهُ ما هُوَ إِلْهامٌ مِن اللهِ تعالَى؛ لِقَولِه: ﴿عَلَّمَنِي رَبِّي﴾؛ وإنْ كانَ عِلْماً يَرْجِعُ إلَى أُصُولٍ وقَواعِدَ؛ كَما حكَى ابنُ القَيِّمِ فِي إعلامِ المُوقِّعِين، ولابْنِ خَلْدُونٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي المُقَدِّمَةِ المَشْهُورَةِ كلامٌ نَفِيسٌ عَنْه، وانْظُرْ كَذلكَ شَرْحَ السنَّةِ للبَغَوي.

ومِنْها: تَعْظِيمُ شَانِ هَذا العِلْمِ؛ والإشارَةُ إلَيهِ بِقُولِهِ: ﴿ذَلِكُمَا﴾.

ومِنْها: أنّ التَّوْحِيدَ سَبَبٌ لِحُصُولِ العِلْم؛ وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالَى: ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾؛ فَإنَّهُ عَلى دليلٌ علَى أنَّ اللهَ عَلّمَهُ التَّأوِيلَ وعُلُوماً أُخْرى، ثُمَّ عَقّبَهُ بِقَولِه: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... الآيات﴾، فَدَلَّ علَى أنّ الإيمانَ باللهِ واتّباعَ مِلَّةِ إِبراهِيمَ والأنْبِياءِ من بَعْدِهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيهِم أجْمَعِينَ سَبَبٌ لِحُصُولِ العِلْمِ والفَتْحِ الرَّبّانِيِّ فِيهِ. وانْظُرِ اللبابَ لابنِ عادِلٍ؛ فَقدْ جَوزَ أنْ يَكُونَ قُولُه: ﴿إنّي تَرَكْتُ﴾ تَعْلِيلاً لِحُصُولِ العِلْمِ المذكُور.

وقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾؛ رُبَّما أَوْهَمَ أنَّهُ كانَ فِي تِلكَ المِلَّةِ وخَرَجَ مِنْها؛ ولَيسَ الأَمْرُ كذلك؛ فإنَّهُ نَشأَ فِي بَيتِ التَّوْحِيد، ولِذا ذكَرَ أَنَّهُ دِينُ آبائِهِ مِن الأَنْبِياءِ علَيهمُ الصلاةُ والسلام؟ ...

والجَوابُ: أنَّ الترْكَ يُطْلَقُ علَى عَدَمِ التَّعَرُّضِ للشَّيْءِ؛ ولَيسَ مِن شَرْطِهِ أنْ لا يَكُونَ خائِضاً فِيهِ.

ومِنْها: أنَّ العِنايَةَ بالتَّوْحِيدِ والقِيامَ بِهِ سَبَبٌ لاصْطِفاءِ اللهِ لِعَبْدِهِ وحِفْظِهِ لهُ؛ فَإنَّهُ لَمّا انْفَرَدَ فِي ذَلكَ المكَانِ بِتَوْحِيدِ اللهِ وَتَرْكِ مِلَّةِ أَهْلِ المدِينَةِ اخْتَارَهُ اللهُ تَعَالَى لَدَيْهِمْ.

ومِنْها: تَقْدِيمُ الدَّعْوَةِ إلَى التَّوْحِيدِ علَى غَيْرِهِ؛ وتَقْدِيمُ ما يَدُلُّ علَى صِدْقِهِ بَينَ يَدَي دَعْوَتِه، قالَ البَيْضاوِيُّ: وهِي طَرِيقَةُ الأَنْبِيَاءِ وَالنّازِلِينَ مَنَازِلَهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ فِي الهِدَايَةِ وَالإِرْشَادِ.

ومِنْها: أنَّهُ لا حَرَجَ علَى الداعِيةِ فِي أنْ يُقدِّمَ بَينَ يَدَي دَعْوَتِهِ ما يُعَرِّفُ بِهِ نَفْسَهُ إلَى الخَلْقِ؛ لِيُنْزِلُوهُ مَنْزِلَتَهُ؛ ويَنْظُرُوا إلَيهِ بِعَينِ التَّعْظِيمِ والإجْلالِ، فَإنَّهُ أتَمُّ لانْقِيادِهِم، وأَدْعَى لِتَأَثُّرِ قُلُوبِهِم بِكَلامِهِ.

ومِنْها: التَّلَطُّفُ فِي إبْلاغِ الدَّعْوَةِ إلَى الخَلْقِ؛ حَيْثُ أَبْرَزَ لَهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلاَنِ مَا هُمَا عَلَيْهِ بِصُورَةِ الاسْتِفْهَامِ حَتّى لاَ تَنْفِرَ طِبَاعُهُمَا مِنَ المُفَاجَأَةِ بِإِبْطَالِ مَا أَلِفَاهُ دَهْراً طَوِيلاً وَمَضَتْ عَلَيْهِ أَسْلاَفُهُمَا جِيلاً فَجِيلاً، فَقَالَ: ﴿ءَأرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ﴾.

ومِنْها: أنَّ تَحَلِّيَ الداعِيَةِ بِمكارِمِ الصفاتِ ومَحاسِنِ الأَخْلاقِ سَبَبٌ لأقْبالِ الناسِ علَى دَعْوَتِهِ وسُؤالِهِ، لأنَّ الفَتَيَيْنِ لما سألاَهُ عَقّبا ذلكَ بَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾.

وغَيْرُ ذلكَ مِن الفَوائدِ، وباللهِ التوفِيق.

32 - فِقْهُ الغَايَةِ؛ وفِقْهُ الوسِيلَةِ أَيْضاً.

رَأَيْتُ كَثِيراً مِن الناسِ يَحْمِلُونَ غَاياتٍ نَبِيلَةً وَقِيَماً عُلْياَ؛ فِيها - مَتَى تَحَقَّقَتْ - سَعادَةُ البَشَرِ فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، لكِنَّهُمْ فِي كَثِيرٍ مِن المَواطِنِ يَغِيبُ عَنْهُمْ - لِجَهْلٍ أو غَفْلَةٍ - أنَّ الدَّعَواتِ تَتَعامَلُ مَعَ البَشَرِ والأسْبابِ؛ لا مَعَ خَرْقِ العاداتِ والكَراماتِ، وإِنَّنِي واللهِ لأمْتَلِئُ حَسْرَةً وأَلَماً لِحالِ مَنْ يُقْحِمُ نَفْسَهُ ودَعْوَتَهُ فِي مَضايِقَ لَهُ عَنْهَا مَنْدُوحَةٌ بِما جَعَلَ اللهُ تَعالَى مِن التَّيْسِيرِ فِي دِينِهِ وشَرْعِهِ؛ فإِذا بِهِ يَجْنِي علَى دَعْوَةِ الحَقِّ أوَّلاً؛ وعَلى مَنْ مَعَهُ مِن الأتْباعِ ثانِياً؛ وعَلَى نَفْسِهِ ثالِثاً؛ ويُجَرِّئُ الجَهَلَةَ مِن الخُصُومِ رابِعاً، ويَفْتَحُ علَى المُسْلِمِينَ باباً يَلِجُ مِنْهُ عَدُوُّ الدِينِ خامِساً، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ.

الحوليات الأنصارية · الصفحة ٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحوليات الأنصاريةص ٣٣