تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

26 - الابْتِلاءُ؛ والمِيزان.

اعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن فِي هَذهِ الدُّنْيا مِن الخَلْقِ عُرْضَةٌ للابْتِلاءِ!، والعَبْدُ يُبْتَلَى بالخَيْرِ كَما يُبْتَلَى يالشَّرِّ، وفِي الكتابِ العَزِيزِ أنَّ الغِنَى والفَقْرَ مَطِيَّتا الابْتِلاءِ والامْتحان!؛ كذا فِي عُدَّةِ الصابِرِينَ لابْنِ القَيمِ، وذلكَ يَعُمُّ الخَلْقَ أجْمَعِين، وأمْرُ الدُّنْيا قائِمٌ علَى هَذا، فَمَنْ طَلَبَ مِنْها حالا غَيْرَ هَذا فَلَنْ يَجِدَ إلَيْهِ سَبِيلاً!.

ولَيْسَ الابْتِلاءُ - كَما يَظُنُّ كَثِيرٌ مِن الناسِ ويَجْرِي علَى ألْسِنَتِهمْ - عَلامَةً علَى صِحَّةِ الطَّرِيقِ!، فَإنَّهُ لَو صَحَّ ذلكَ لكانَ كُلُّ مَنْ يُبْتَلَى ويَتَعَرَّضُ للصِّعابِ والمِحِنِ مُحِقّاً، ونَحْنُ نَرَى الأمْرَ علَى خِلافِ ذلكَ، فَإنَّ الكافِرَ والمُبْتَدِعَ والفاسِقَ يُمْتَحَنُونَ ويُبْتَلَوْنَ كَما يُبْتَلَى المُسْلِمُ والسُّنِّيُّ والرَّجُلُ الصالِحُ ولا فَرْقَ، ومَن قَرَأَ تارِيخَ الدَّعَواتِ الباطِلَةِ والأُمَمِ الكافِرَةِ علِمَ كَيفَ ابْتُلِيَ أَصْحابُها بالقَتْلِ والسِّجْنِ والتَشرِيدِ والتّغَرُّبِ عِن الأوطانِ وغَيرِ ذلكَ مِن أنواعِ البَلاءِ التِي يَتَعَرَّضُ لَها الناس!.

فَهَذا لا يَصْلُحُ مِيزاناً للهُدَى، ولا فارِقاً بَينَ الحَقِّ والضّلالِ، وإنَّما الابْتِلاءُ لاَزِمٌ مِن لَوازِمِ الطَّرِيقِ، ولا انْفِكاكَ لِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةٍ عَنْه!، فَإنْ كانَتْ دَعْوَتُهُ حَقّا وصَواباً؛ وصَبَرَ واحْتَسَبَ أُثِيبَ وأُجِرَ، وإنْ كانَتْ باطِلَةً وَكَلَهُ اللهُ تعالَى إلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ يَلْقاهُ بِما كَسَبَتْ يدَاهُ؛ وما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ للعَبِيدِ.

نَعَمْ يُمْتَحَنُ الداعِيَةُ علَى قَدْرِ صِدْقِهِ؛ ولِكُلِّ صاحِبِ دَعْوَةِِِ حَقٍّ عَدُوٌّ لِدَعْوَتِه؛ كما تَرَى الأنْبِياءَ علَيهمُ الصلاةُ والسلامُ يُبْتَلَونَ بالمُعانِدينَ!؛ والعُلَماءَ يُبْتَلَونَ بالجاهِلِين!، وأشدُّ الناسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَل، لأَنَّ مِن شَانِ الأَنْبِياءِ صلَواتُ اللهُ وسلامُهُ علَيْهِمِ أجْمعِينَ بَيانَ الحَقِّ وإبْلاغَهُ للناسِ دُونَ أنْ يَكْتُمُوا مِنْهُ شَيْئاً؛ وهَكَذا الصادِقُونَ مِن العُلَماءِ أيْضاً؛ فَيَزْدادُ الناسُ لأجْلِ هَذا إعْراضاً ونُفُوراً؛ ويَتَسَلَّطُونَ عَلِيْهِمْ بِأَنْواعِ الأذَى!، وتِلْكَ سُنَّةٌ تَوافَقَ فِيها الشرْعُ والقَدَر، لكَنَّ هَذا شَيْءٌ وأنْ تَكُونَ دَلِيلاً وبُرْهاناً علَى الحَقِّ شَيءٌ آخَر.

والمِيزانُ - الذِي لا مِيزانَ سِواهُ - هُوَ العِلْمُ الذِي يَهْتِدِي فِيهِ صاحِبُهُ بِنُورِ الوَحْيَيْنِ، وإنَّما الضالُّ مَن ضَلَّ عَنْهُما؛ ولَيْسَ يَضِلُّ عَنْهُما مَن تَمَسَّكَ بِهِما أَبَداً؛ كَما أخْبَرَ بِذلكَ نَبِيُّنا صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ علَيْهِ فِي حَدِيثِ العِرْباضِ بنِ سارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، فَلْيَتَأمَّلِ العاقِلُ فِي هَذا الذي قَدَّمْناه، فَإنَّهُ يُوجِبُ لَهُ الخَشْيَةَ والحَذرَ، والإقْبالَ علَى العِلْمِ؛ والاجْتِهادَ فِي طَلَبِه؛ وسُؤالَ أَهْلِهِ فِيما أَشْكَلَ عَلَيهِ مِن أَمْرِ دِينِهِ ودُنْياه؛ والإعْراضَ عَمَّنْ يَتَأَكَّلُونَ بِهِ الدُّنْيا؛ وعَدَمَ الالْتِفاتِ إلَى المُتَطَفِّلِينَ علَى مَوائِدِهِ!؛ والتّعْوِيلَ بَعْدَ إخْلاصِ الوَجْهِ للهِ تعَالَى عَلَيهِ، وإِنّهُ لَعَظِيمٌ واللهِ أنْ يَبْذُلَ المَرْءُ نَفْسَهُ ومالَهُ وعُمَرَهُ فِي الانْتِصارِ لِما يَظُنُّهُ - لِجَهْلِهِ وتَقْصِيرِهِ فِي طلَبِ العِلْمِ والسؤالِ عَنْهُ - حَقّاً؛ وإِنَّما هُوَ الباطِلُ والهَوَى رُدِّيَ ثِيابَ الحَقِّ!، ولا يُقالُ فِي مِثْلِ هَذا اجْتَهَدَ فأخْطأَ!؛ لأَنَّ الاجْتِهادَ المَشْرُوعَ ما كانَ عَنْ عِلْمٍ وفِقْهِ بالشرْعِ ومَقاصِدِهِ، فَإنْ كانَ الإنْسانُ لَهُ أهْلاً فَذاكَ، وإلاّ فَإنّ الواجِبَ علَيْهِ سُؤالُ مِن يَعْلَمُ، ورَحِمَ اللهُ امْرَأً عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ.

واقْرَا (لِزَاماً) حَوْلَ هَذا الفَصْلِ ما كَتَبْناهُ فِي الرسالَةِ الخامِسَةِ من رَسائلِ الثُّغُورِ؛ وهِي بِعُنْوانِ: (دُعُوها؛ فَلَيْسَتْ مَوازِيناً).

الحوليات الأنصارية · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحوليات الأنصاريةص ٢٦