تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18 - فَائِدَةٌ فِي دُعابَةَ!.

حَدَّثَنا قَبْلَ بِضْعَةِ أعْوامٍ رَفِيقٌ لَنا؛ فَقال: عَزَمْتُ مَرَّةً عَلَى طَلَبِ العِلْمِ!؛ فَتَقَدَّمْتُ إلَى بَعْضِ الجامِعاتِ وَالْتَحَقْتُ بِكُلِّيَّةٍ مِن كُلِّياتِها الشَّرْعِيَّةِ مُنْتَسِباً لا مُنْتَظِماً؛ وأنا أُقَدِّمُ رِجْلاً وأَكُفُّ أُخْرَى!؛ فَلَما كانَ يَوْمُ الامْتِحانِ؛ تَقاعَسْتُ عَنْهُ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ عَمْداً؛ ولَزِمْتُ بَيتِي حَتَّى حانَ مَوْعِدُهُ ولَمْ أَذْهَب؛ لأَنّنِي لَمْ أَكُنْ قَدْ أَعْدَدْتُ لَهُ، قَالَ: فَحَضَرَ إلَى مَنْزِلِي صاحِبٌ لَي؛ فَأنْكَرَ عَلَيَّ تَأَخُّرِي؛ ولَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مَنْهُ؛ وخَرَجْتُ مَعَهُ فَأَوْصَلِنِي إلَى الجامِعِةِ لأُدْرِكَهُ.

قَالَ: وكانَ الامْتِحانُ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ وأُصُولِه، فَلَما شَرَعْتُ فَيهِ أَخَذْتُ أكْتُبُ مِمّا عَلِقَ بِخاطِرِي مِنْ نُتَفِ العِلْمِ مِن هُنا وهُناك!، حَتَّى إِذا صِرْتُ إلَى السُّؤالِ الخامِسِ وهُو الأَخِيرُ مِن مَجْمُوعِ الأَسئِلَةِ؛ قَرَاتُ ما يَلِي:

تَحَدَّثْ عَنِ الغُرابِ فِي السِّنْدِ؟!؛ الغُرابُ: الطائِرُ المَعْرُوف، والسِّنْدُ: البَلْدَةُ المَعْرُوفَةُ؛ والتِي يَنْتَسِبُ إلَيْها جَماعَةٌ مِن العُلَماء.

قَالَ: فَأَطْرَقْتُ مُفَكِّراً!؛ ثَمَّ كَتَبْتُ فِي جَوابِهِ:

نُنَبِّهُ وَاضِعَ الأَسْئِلَةِ! إلَى أَنَّهُ لاَ عِلاَقَةَ لِهَذا السُّؤالِ بالحَدِيثِ ولا مُصْطَلَحِهِ، وأَيُّ عِلاقَةٍ لِطائِرٍ بِهَذا الفَنِّ الذِي نَحْنُ فِيه!، ومَعَ ذلكَ فَنَقُول: إِنَّ الغُرابَ هُوَ الطائِرُ المَعْرُوفُ؛ وهُو الذي كانَ أَهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَشاءَمُونَ بِهِ، ويَضْرِبُونَ بِهِ المَثَلَ فِي ذلكَ؛ فَيَقُولُونَ: غُرابُ البَيْنِ!، وقَدْ وَرَدَ الَحَدِيثُ بالأَمْرِ بِقَتْلِ الأبْقَعِ مِنْهُ، وهُو الذي ذكُرَ فِي القُرْآنِ فِي قِصَّةِ ابْنَي آدمَ فِي سُورَةِ الأعْراف، وهُو طائِرٌ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي شِدّةِ الحَذَرِ؛ ولِذا فَمِنْ عادَةِ الغِرْبانِ إنْ هَبَطَتْ فِي مَوْضِعٍ؛ أنْ يَقُومَ واحِدٌ مِنْها عَلَى مَحَلٍّ مُرْتَفِعٍ؛ فَإنْ أَحَسَّ بِخَطَرٍ صاحَ بِها فَطارَتْ!، ولَهُ مِن قُوَّةِ الإبْصارِ ما يَسْتَطِيعُ مَعَهُ رُؤْيَةَ الدِيدانِ فِي الأَرْضِ فِي طَيَرانِه، وهُوَ طائِرٌ مَعَمِّرٌ يَعِيشُ مائتَي عامٍ أو يَزِيدُ ... ، قال: وسَرَدْتُ كَلاماً طَويلاً نَحْوَ هَذا.

قالَ: فَلما انْصَرَفْتُ؛ لَقِيَنِي صاحِبِي؛ فقالَ لِي: ما صَنَعْتَ؟؛ فَأخْبَرْتُهُ خَبَرِي؛ وحَدّثْتُهُ بِما جَرَى، قالَ: فاسْتَجْمَعَ ضاحِكاً؛ ثُمَّ قالَ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ كَما أَضْحَكْتَنِي!، إِنَّما هِيَ: الغَرَابَةُ فِي السَّنَدِ!، - (وهِي مِن أَلْفاظِ علْمِ المُصْطَلح؛ فالغَرِيبُ: ما انْفَرَدَ بِهِ راوٍ واحِدٌ؛ وهُو قِسمانِ: مُطْلَقٌ؛ ونِسْبِيُّ، والسنَدُ: سلْسِلَةُ الرجالِ المُوصِلَةُ إلَى المَتْنِ) -؛ قَالَ: فَلَبِثْنا نَضْحَكُ مِن ذلكَ دَهْراً كُلَّما ذَكَرْناه!.

قَالَ كاتِبُهُ كانَ اللهُ لَه:

ومِمّا وَقَعَ لِي؛ أنْ كانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَأُ بَيْنَ يَدَيَّ فِي تَرْجَمَةِ الإِمامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ مِن تارِيخِ دِمَشْقٍ لابْنِ عساكِر، فقالَ لِي: عَجِيبٌ!؛ انْظُرْ ماذا يَقُولُ يَحْيى بنُ مَعِينٍ فِي أحْمَدَ رَحِمَهُ الله، فقَرَأَ فِيه: وقَالَ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ عَنْهُ: كِيسٌ!؛ ما أَفْهَمَهُ؟! , يَعْنِي: بِكَسْرِ الكافِ وياءٍ ساكِنَةٍ، وما: استِفْهامِيَّةٌ!؛ فَقُلْتُ لَهُ إنَّما هِيَ: كَيِّسٌ - بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ وبَعْدها ياءٌ مَشَدَّدَةٌ مَكْسُورة، وما للتَّعَجُبِ؛ يُرِيدُ بِها الثّناءَ علَى قُوَّةِ فَهْمَه، فَانْقَلَبَتْ بالتّصْحِيفِ مَعْنَى عَجَباً!.

قالَ أَبُو الوَلِيد: فِيما ذكَرَهُ الأئمَةُ رَحِمَهُمُ اللهُ مِن التّصْحِيفاتِ كَثِيرٌ مِن أَمْثالِ هَذه الطرائفِ!، فَمَنْ أرَادَ أنْ يَقِفَ علَى شَيءٍ مِن ذلكَ فَلْيُطالِعْ تَصْحِيفاتِ المُحَدِّثِينَ لأبِي أحْمَدَ الحسَنِ بنِ عَبْدِ اللهِ العَسْكَرِيِّ اللغَوي، وأَخْبارَ المُصَحِّفِينَ لَهُ أَيْضاً، وتَصْحِيحَ التَّصْحِيفِ للصَّفَدِيّ؛ وقَدْ ذكَرَ فِي مُقَدِّمَتِهِ أنَّ للدارَقُطْنِيِّ كِتاباً فِيهِ، وغَيْرَها مِن الكُتُب.

الحوليات الأنصارية · الصفحة ١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الحوليات الأنصاريةص ١٩